والانتصار هذا لم يؤكده التحليل فقط، بل اعترف به الكيان الصهيوني نفسه اكثر من مرة وهو الان سبب ازمة سياسية في صفوف الجيش والحكومة في الكيان، فمثلا اعلن وزير الاسكان الاسرائيلي مئير شطريت بتاريخ 1 آب في عزالعدوان انه "لا يمكن القضاء بالقوة على قدرات حزب الله العسكرية"، معتبرا ان "حل النزاع القائم بين اسرائيل وحزب الله يمر عبر تسوية دولية" وأقر بعدم وجود أي امكانية "لتدمير صواريخ حزب الله كلها... لا عن طريق ضربات جوية ولا عن طريق عمليات برية"(1). في حين اقر ايهود اولمرت نفسه بالفشل حيث
قال في مؤتمر لرؤساء البلديات في حيفا: "لم نكن مستعدين كما يجب، لم نحصل على النتائج المتوخاة، حصلت نواقص وحتى إخفاقات...وعلينا ألا نتجاهل هذه الثغرات"، معلنا عن "إنشاء لجنة تحقيق عامة بشأن هذه الثغرات والإخفاقات" (2). كما اكدت هذا الانتصار مصادر عسكرية محايدة او شبه محايدة، مثل دراسة للعميد الركن احمد عيد المصاروة مدير التوجيه المعنوي في الجيش الاردني، وفيها يقول العميد المصاروة: "... ويعتبر اهم جانب في البعد العسكري لهذه الحرب هو كسر نظرية الردع الاسرائيلي وتمريغ انف الجيش الذي لا يقهر في التراب.."، ويخلص العميد المصاروة الى القول بانه: "وعلى الرغم من الدمار الذي لحق بلبنان فيمكن القول ان المقاومة قد انتصرت في هذه الحرب."(3)
اذا، نستطيع ان نخلص بنتيجة حاسمة، وبشهادة الجميع تقريبا، ان المحصلة النهائية للعدوان الصهيوني 2006 على لبنان هو انتصار المقاومة.
هذا جميل.... ولكن في الفهم السياسي للحروب، لا تخاض الحرب لذاتها بل تخاض لتحقيق نتائج سياسية. هنا يكون الانتصار الفعلي، وهنا تكمن المعادلة، فهل تمكن العرب (انظمة وشعوب) من جني ثمارالانتصارالمكلف الذي دفع اللبنانيون ثمنه دما ودمارا؟
فيما يلي محاولة للاجابة على هذا السؤال ومقاربة المتغيرات المختلفة التي يحتويها:
على الصعيد العربي الرسمي:
راهن النظام العربي الرسمي في بداية المعركة على النصر الامريكي/الصهيوني، والحسم المبكر للمعركة بحسب التقديرات الصهيونية التي تربطها بالانظمة العربية واجهزتها الامنية اتفاقات تعاون وسلام من فوق
او من تحت الطاولة. واعلن قادة ثلاث دول "مؤثرة" عربيا ومعروفة دوليا بشراكتها الاستراتيجية للولايات المتحدة (وبالتالي اسرائيل)/ ان ما اقترفه حزب الله هو "مغامرة غير محسوبة النتائج"(4)، وهي نفس الدعاية التي كان يوجهها الصهاينة الى الداخل اللبناني بقصد العمل على تفتيت بنيته الداخلية السياسية الهشة اصلا.
طبعا لا بد من استثناء النظام السوري من هذا التعميم نظرا لخصوصية وضعه الاقليمي وارتباطه بتحالف استراتيجي مع ايران.
ومع استمرارالعدوان وصمود المقاومة وفشل الالة العسكرية الصهيونية في حسم المعركة خلال يومين او ثلاثة كما راهن الامريكان وتبعهم في ذلك تابعيهم المحليين، بات النظام الرسمي العربي محرجا تماما لعدة اسباب فشل رئيسية:
اولا—فشل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في الحسم العسكري المبكر رغم انه (اي النظام الرسمي العربي) قد حسم موقفه مبكرا في المعركة لصالحهم، وهو ما كشف عن عدم وجود تقديرات مستقلة وتبعية النظام الرسمي العربي حتى في تحليلاته المحلية والاقليمية.
ثانيا—عدم قدرته على التأثير باي شكل من الاشكال على مجريات الامور لا دبلوماسيا ولا عسكريا، فقد كان النظام الرسمي العربي اقل من "صفر على الشمال" من حيث القيمة والتأثير، وهو امر لا يحرج النظام الرسمي كثيرا الا اذا تكشف للعامة ممن يحكمهم بالقمع والتضييق، وقد تكشفت الحقائق مبكرا في هذا العدوان.
ثالثا—الفشل النهائي والشامل للاطار "التنسيقي" للنظام الرسمي العربي، اي "جامعة الدول العربية"، وتمثل هذا الفشل بعجز الجامعة الكامل وتخبطها وعدم استطاعتها الخروج ولو بموقف اجماع ازاء العدوان في بدايته؛ واثبات "سقوط معاهدة الدفاع العربي المشترك" كما اشار العميد المصاروة في دراسته(5)، بل يتمثل اساسا في اعلان امين عام جامعة الدول العربية :"موت عملية السلام"(6)، أي...
رابعا—فشل الاستراتيجية العربية الرسمية التي دامت حتى الان ما يقارب الـ60 عاما في مواجهة اهم خطر في المنطقة: اي الكيان الصهيوني. واصبح لزاما على النظام الرسمي ان ينزع عن نفسه صفة "العربي" لان الاستراتيجية التي كان يتبناها للستين عاما الماضية (وما زال يحكم بها حتى الان وللمستقبل) كانت فاشلة عربيا، ولكن ناجعة وناجحة صهيونيا وامريكيا. بمعنى انها لا تحقق مصالحنا لا كـ"شعوب" على المستوى القطري ولا كأمة... وحتى اللعبة القطرية التي يلعبها النظام العربي الرسمي ثبت انها لعبة كاذبة، الغرض منها هو غرض تمويهي ليس اكثر للتعمية على ان المشروع الرسمي العربي هو ليس عربيا على الاطلاق بل هو امريكي صهيوني بامتياز، وهو ما سآتي عليه في نقطة منفصلة.
خامسا— كشف هذا العدوان كما اسلفت سابقا عن زيف اللعبة "القطرية" التي يلعبها النظام الرسمي العربي تحت شعار "القطر اولا" (حالات الاردن ومصر ولبنان والعراق)، وثبت انه ليس فقط الشعوب والمنطقة والتاريخ ترفض هذه الفكرة، بل ان الامبريالية الامريكية ايضا ترفضها لانها تبحث عن شرق اوسط جديد او اوسع او كبير (سمه ما شئت)، يعتمد على "الوحدة" والتفتيت": وحدة الاقليم اقتصاديا تحت هيمنة المركز الصهيوني الامريكي، وتفتيت بناه الاجتماعية الى اشكال "ما دون قطرية" (اي اثنية
ومذهبية وطائفية...الخ)، وهي تبحث عن "ادوات" (لا "مشاريع") لتحقيق هذا الهدف. يتبين اذا ان كل هذه "العراضة"الاعلامية حول القطرية، هي مجرد "ادوات" تستعملها الانظمة للتغطية على تبعيتها للمشروع الامريكي/الصهيوني وليست "مشروعا قطريا" على مستوى القطر السايكس-بيكوي لان هذا القطر فقد وظيفته وفعاليته في السياقات الجديدة، وسقطت المعادلة "القطرية" تماما امام المعادلة الاقليمية وتكشفت وظيفتها كأداة للتضليل الداخلي ليس أكثر.
....اذا، كل هذه الاسباب المحرجة دفعت بالنظام الرسمي العربي الى تغيير خطابه في الايام الاخيرة للعدوان.
ان الامر الوحيد الذي يعرفه النظام الرسمي "العربي" جيدا ويحسن تقديره هو معادلة وجوده: هو صفر في المعادلات الدولية والاقليمية، ولا يملك بل وغير قادر على صياغة مشروع عربي، ووجوده مرتبط
اساسا باللاعبين الكبار في مصائرنا على المستوى الاقليمي، وهم هنا في مشرقنا العربي: الولايات المتحدة/
الكيان الصهيوني ... وايران ... وتركيا بمسافة ابعد...
هكذا غير النظام الرسمي العربي مواقفه مدفوعا بهاجس "الهلال الشيعي" بعد ان بدأ الرهان على الاسرائيليين يخسر، واخذ يدين العدوان وقتل المدنيين ويبرر المقاومة(7). هذا الانقلاب في المواقف يضاف كـ -سادسا- الى سلسلة العجز والاحراجات والعبث الذي ميز النظام الرسمي "العربي" في الازمة الاخيرة وطوال ستين عاما الى الوراء!
طبعا لم يكن احد ليعول على النظام الرسمي العربي، ولكن كان لا بد من ايراد التحليل اعلاه للخلوص بنتائج حول دوره ووظيفته وآفاقه المستقبلية.
على الصعيد الشعبي العربي:
ليس الحديث هنا عن "المزاج الشعبي العام" الذي لا تتيه بوصلته عموما ويظل معاديا للمشروع الامريكي/الصهيوني وينحاز اوتوماتيكيا الى الطرف المقاوم، بل عن الفعل الشعبي المنظم والقادر على حصد النتائج السياسية وتقديم الدعم والاسناد للمقاومة. وقد تكشفت اخفاقات هامة على هذا الصعيد هي:
اولا—عدم اسناد الساحات المقاومة الرئيسية في المنطقة (وهما هنا فلسطين والعراق) للمقاومة في لبنان.
لا يحق لاحد المزاودة على المقاومتان الباسلتان في العراق وفلسطين، ونقر سلفا بأفضلية من يقاوم بالسلاح على من يقاوم بأي شكل آخر من اشكال المقاومة والمعارضة، وانما الغرض هنا الاشارة الى عدم تمكن هاتان المقاومتان من استغلال اللحظة السياسية لتحقيق مكاسب سياسية هامة.
أ- ففي العراق لم نسمع عن اية عمليات نوعية او كبيرة استهدفت القوات الامريكية نفذت خصيصا كرد على العدوان على لبنان، رغم ان ذلك العدوان - وباجماع شبه كامل للمحللين- كان "حرباً امريكية بالوكالة"، وأمريكا هي من يحتل العراق وبالتالي العدو المباشر للمقاومة العراقية (ربما كانت هناك حالة واحدة اوردتها الجزيرة لتدميرعربة امريكية اعلن انها تمت انتقاما للعدوان على لبنان على ما اذكر).
ولم تستطع بعض فصائل المقاومة العراقية تجاوز "العقدة الايرانية" في معركة مباشرة وواضحة يخوضها حزب الله (المدعوم من ايران) ضد الامريكان والاسرائيليين. فقد كان بامكان القوى الوحدوية والمقاومة استغلال هذه المعركة لضرب القوى الطائفية المتواطئة مع المشروع الامريكي في العراق، لكن الذي حصل ان بعض الاطراف الطائفية في العراق هي التي خرجت تأييدا لحزب الله بدافع طائفي في محاولة منها لعكس صورة طائفية على المقاومة اللبنانية وتوظيفها في "المشروع الطائفي" في العراق.
ب- اما في فلسطين، فقد هدأت الساحة تماما من العمليات العسكرية، رغم ان أسر الجنديين الصهيونيين من قبل حزب الله وما تلاه من عدوان على لبنان قد خفف الضغط جزئيا عن الفلسطينيين الذين كانوا يذبحون يوميا بعملية "امطار الصيف"، واعطاهم املا بترابط المسارات "التفاوضية" حول الجنود الصهاينة الاسرى، واعطانا نحن المراقبين رؤية جديدة بعودة المعركة الى بعدها القومي بدلا من لعنة القطرية و"المسارات المنفصلة". وكان السيد حسن نصر الله قد اعلن في مؤتمر صحفي عقد بعد أسر الجنديين مباشرة وقبل بدء العدوان أن "العملية جاءت لتعيد للعالم بأسره ما فقده من اخلاق وكرامة وصمت على الجرائم التي ترتكب وبشكل يومي بحق الفلسطينيين" (8)، وانها "تشكل دعما كبيرا ومساندة كبيرة للفلسطينيين...[و] قد تكون مخرجا كون الإسرائيليين لا يريدون التفاوض مع حركة المقاومة الإسلامية حماس، إلا أنهم سيتفاوضون مع حزب الله في النهاية لأنهم فعلوها في السابق"(9).
وهكذا فشلت المقاومة الفلسطينية في استغلال هذه المعركة لاعادة القضية العربية الفلسطينية الى مكانها الاصلي: الفضاء القومي، وكسر مشروع عزل الفلسطينيين وانهاء مسألة "فلسطنة" القضية الفلسطينية وحشرها في البعد الجغرافي.
ثانيا—فشل المعارضة الرسمية العربية في اسناد المقاومة من خلال الضغط الشعبي والسياسي على الانظمة.
ففي قطر مثلا كانت الصواريخ الامريكية ترسل من القواعد العسكرية هناك الى الكيان الصهيوني دون اي معارضة شعبية حقيقية(10)، في حين لم تقم القوى السياسية المعارضة في الاردن بأية حملة كبيرة ومنظمة على التصريحات الرسمية الاولى التي اعتبرت عملية حزب الله "مغامرة غير محسوبة النتائج"... بل ان اغلب المسيرات والمظاهرات التي تمت كانت تحت غطاء موافقة المحافظ المعني وشروطه المعروفة المتضمنة والغير متضمنة في قانون الاجتماعات العامة القمعي غير الدستوري. كما لم تواجه المعارضة ما تسرب من اخبار تؤكد تفتيش الطائرات المتوجهة الى بيروت في المطارات الاردنية(11).
مثال آخر هو صلاة الجمعة ويوم الغضب الذي دعت اليه النقابات المهنية الاردنية في الايام الاولى للعدوان بتاريخ 21/7/2006، حيث اغلقت القوى الامنية جميع الشوارع المحيطة بمجمع النقابات ومنعت الدخول اليه، فما كان من النقباء الموجودين وبعد ان رفضت قوى الامن طلبهم الدخول الى المجمع، سوى الانسحاب من المكان بدون اي احتجاج او اعتصام او اقامة للصلاة في الشارع كما كان ينبغي ان يحدث، تاركين الناس الذين لبوا دعوة النقابات وتجمعوا في اربع نقاط حول المجمع لوحدهم.
المحصلة هي ان الحركة قد اقتصرت على الحدود التي رسمها النظام الرسمي وضمن معطياته التي تجعله هو القادر على توظيفها لا العكس.
ثالثا—فشل ما يسمى بـ"الشارع العربي"
فشل الشارع في فرض تغييرات سياسية ولو مرحلية أو شكلية نتيجة لانخفاض حجم ووتيرة تحركه وتحوله اللاواعي الى الالتزام بضوابط السلطة السياسية بضغط وترويج من القوى السياسية المعارضة المنظمة.
اذا اخذنا "الشارع الاردني" كمثال، وباستعراض سريع لابرز الاحداث والانتفاضات الشعبية في الاردن منذ عام 1989، نجد ان:
- هبة نيسان 1989 قد ترتب عليها رفع الاحكام العرفية وعودة ما سمي بـ "الحياة الديموقراطية"(12).
- التعاطف الشعبي العارم مع العراق 1990/1991 وترتب عليه (ضمن عوامل أخرى) قرارالسلطة السياسية الوقوف الى جانب العراق في ذلك الوقت.
- احداث الخبز 1996 وترتب عليها استحقاق شكلي هو اقالة حكومة الكباريتي.
- احداث الرابية وما تلاها دعما للانتفاضة الثانية عام 2000، وترتب عليها تساهل حكومي نسبي مع المسيرات والمظاهرات غير المرخصة، وعدم اعادة السفير الاردني في الكيان الصهيوني الى مقر عمله(13).
اما فيما يتعلق بلبنان، فازعم ان "الشارع العربي" قد اكتشف ما سأسميه "المشاركة الفضائية المباشرة"، حيث جلس الناس متسمرين خلف شاشات التلفاز يتابعون لحظة بلحظة تتالي الاحداث بالصوت والصورة عبر شبكات المراسلين وببث حي ومباشر، وكأن هذه المشاركة الافتراضية "الحية" هي مشاركة فعلية في المعركة، وكأن البث الفضائي المباشر بتغطيته التفصيلية الواسعة قد اشبع عند المواطن شعوره بضرورة تقديم "شيء ما".... هذا "الشيء الما" وجده المواطن بخدعة نفسية ذكية تقتضي ان يعيش المواجهة ويشارك بها...من خلال التلفاز!!
وربما تجدر الاشارة هنا الى المصطلح الذي نحته برجنسكي عام 1996 في اجتماع ضم عددا كبيرا من صانعي القرار في العالم لنقاش آثار "العولمة"، وخلص الى أن عالم المستقبل سيتكون من 20% من المنتجين [المستغِلين] و80% من المستهلكين [المستغَلين]، وأن هولاء الثمانين بالمئة من "المحبطين" تجب معالجتهم بما سماه الـ Tittytainment حتى لا ينفجر هذا الاحباط ويشكل خطرا على النظام الرأسمالي في سياق تطوره الجديد، وهي كلمة منحوتة من tits اي اثداء احالة الى "الارضاع" و entertainment اي الترفيه – والمقصود هو "ابقاء سكان العالم المحبطين سعداء بمزيج من الترفيه المخدر والطعام الكافي"!!(14) وهو ما قد ينطبق هنا من حيث تحويل الحرب والعدوان من مأساة أخلاقية وانسانية تستدعي المواجهة والمجابهة الى مادة للمشاهدة او "الترفيه المخدر".
طبعا لا يمكن فهم "ازمة الشارع" هذه دونما فهم ترابطها الموضوعي مع "ازمة القيادة" و"ازمة المبادرة" والمتشكلة محليا من عدم قدرة المنظمات الشعبية (الاحزاب السياسية والنقابات وغيرها من الاطر المعارضة للنظام الرسمي العربي) من التفاعل مع الشارع وتمثيله والدفاع عن مصالحه، بل تحول مشروع الاحزاب السياسية العربية المعارضة (مثلا) من النضال من أجل البرنامج السياسي والايديولوجي، الى النضال من اجل الوجود السياسي، مع ما يترتب على هذا التحول من استحقاقات نوعية كبرى.
المعادلة المقلوبة: انتصار عسكري وهزيمة سياسية
بعد كل ذكرناه سابقا، نستطيع الاستنتاج بحذر ان الانتصار العسكري والسياسي والاعلامي والمعنوي والاخلاقي الذي احرزه حزب الله في مواجهة العدوان الصهيوني خلال المعارك، قد تحول الى هزيمة سياسية بعد أن هدأت المعارك، نتيجة لغياب الاسناد وغياب القوى الفاعلة القادرة التي تحمل رؤية استراتيجية واضحة ومحددة في مواجهة المشروع المعادي.
وتاليا بعض الدلائل التي تثبت الاستنتاج الذي اوردته:
اولا: على الساحة اللبنانية:
أ- انتقلت حالة "نقاش سلاح حزب الله" من الخطاب "الضمني" او "المعلن على استحياء"، الى الحالة العلنية الواضحة.
ب- دخلت الى لبنان قوات اوروبية ذات نوعية وتدريب وتسليح متطور وبقدرات هجومية تحت غطاء القوات الدولية "اليونيفيل"، ووجود مثل هذه النوعية من القوات وبهذا التجهيز هو أمر غير معتاد ولم يكن موجودا في لبنان من قبل، ويؤشر الى انضمام لبنان الى قائمة الدول العربية "المحتلة" بالقواعد العسكرية الاجنبية، وقد يحمل هذا الوجود خطرا حقيقيا بمواجهة مسلحة بينها وبين حزب الله، وهي مواجهة ان حصلت ستكون محصلتها السياسية عربيا ودوليا "مائعة" الى حد كبير ومحل نقاش، بعكس المواجهة مع الكيان الصهيوني.
ثانيا: على الساحة الاردنية:
أ- مرر بعد الانتصار مباشرة "قانون منع الارهاب" الذي يعيد البلاد بـ"جرة قانون" الى الاحكام العرفية.
ب- مرر بعد الانتصار مباشرة "قانون الوعظ والارشاد" الجديد الذي يمنح الحكومة سيطرة حديدية على الخطابة والتدريس في المساجد والفتاوي وغيرها، ويسحب البساط تماما هذه المرة من تحت اقدام الاخوان المسلمين والسلفيين وغيرهم من الاسلاميين الذين كانوا يستعملون هذه المنابر تاريخيا.
ت- اكتسب الحكم بالحبس على النائبين علي ابو السكر ومحمد ابو فارس الدرجة القطعية لزيارتهم بيت عزاء الزرقاوي، واعتبرت عضويتهم في البرلمان ملغاة، ونفذ حكم الحبس بحقهما في رسالة واضحة الى السلطة التشريعية هذه المرة (وليس المعارضة فقط) للتذكير بمصير من يفكر بان يحيد عن الصراط الحكومي "المستقيم".
ثالثا: على الساحة الفلسطينية:
يبدو ان السير في اتجاه تشكيل حكومة "وحدة وطنية" بين النقيضين المفترضين (فتح أبو مازن وحماس) تحظى بقبول اوروبي (نفس اوروبا التي ترسل قواتها الآن الى لبنان) قد اصبح سالكا بعد الانتصار!!
سبب هذه النتيجة "المقلوبة" هو أمر واحد: الغياب الكامل لمشروع عربي في المنطقة العربية سواءا على المستوى الرسمي (الانظمة) او مستوى التنظيمات الشعبية المختلفة (احزاب، نقابات، وغيرها). ففي منطقتنا العربية هناك ثلاث قوى رئيسية (الولايات المتحدة/اسرائيل، ايران، تركيا) ومشروعين (امريكي/صهيوني، وايراني)، وليس للعرب شيء سوى اسم الجغرافيا التي تتصارع عليها هذه القوى/المشاريع. وفي لعبة التاريخ، يستطيع من يملك المشروع ان يوظف الحدث، وليس العكس.
خطوات باتجاه مشروع عربي في المنطقة العربية
ان البقاء في حالة رد الفعل الى ما لا نهاية هو أمر خطير جدا؛ والمقاومة بدون وجود مشروع استراتيجي، تنجح في ابقاءنا وقضايانا احياء، ولكنها تبقينا نراوح مكاننا الى الابد في عالم يتغير بتسارع مذهل، وتمضي قواه المهيمنة في بسط نفوذها وتعزيز مصالحها على حساب الناس بدون اي اعتبار سوى لمعايير الربح والخسارة. المطلوب، اذا، ان نخرج بمشروعنا، مشروع الناس، في مواجهة المشروع الامريكي/الصهيوني، فنبقى احياء، ونتقدم، ويصبح نصر صريح كالذي احرزه حزب الله في المعركة، يملك عمقا سياسيا يجعله قادرا على حصد النتائج السياسية وفرض معادلاتها.
وتاليا مجموعة من الافكار التي تخدم هذه السياقات:
وحدة العمل الشعبي العربي افقيا كرافعة لتطور نوعي عمودي.
حسم العدوان على لبنان نهاية "جامعة الدول العربية" لا كأحد الاشكال شبه الوحدوية فقط (فهذه انتهت من زمان)، بل كرس نهايتها كشكل براغماتي كرنفالي لا يعمل فيه شيء سوى اجتماعات وزراء الداخلية العرب. وأصبح هذا الاطار (كما الامم المتحدة) شكلا مزورا من اشكال الاجتماع "الشعبي" وظيفته تسهيل الهيمنة والعدوان(15).
المطلوب هو اجتماع شعبي عربي حقيقي من خلال المجموعات الشعبية الناشطة، واعادة لحمة للبنى الشعبية ضمن اطر عمل وتنسيق ما فوق قطرية(16). وهذا يتطلب من قوى المعارضة الرسمية سحب الاعتراف بكل المبادرات وحملات العلاقات العامة التي تقوم بها السلطة لترويج القطرية كأفق نهائي للعمل السياسي المحلي واجبار قوى المعارضة عليها بالقانون. يقول الكاتب محمد خالد: "اذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية، فالاجدر بنا ان نغير المدافعين، لا ان تغير القضية."!(17)
اعادة ترتيب البيت الداخلي قطريا وعربيا على قاعدة الاستقطاب لا قاعدة التفاهمات.
اثبت العدوان الصهيوني على لبنان مرة أخرى استحالة وجود سلام وحق وعدل في المنطقة العربية والعالم، ووجود "اسرائيل" في ذات الوقت، فاما هذه أو تلك. واذا كان "اللبيب من الاشارة يفهم"، فان هذا "اللبيب" بعد ستة حروب وما بينهما من الانتهاكات المستمرة، يصبح جزءا من معسكر الاعداء ان هو أصر بعد كل هذه "الاشارات" على الاعتراف بشرعية وجود الكيان الصهيوني، وعلى اي اساس كان هذا الاعتراف سواءا قرار التقسيم لعام 1947، أو قرار 242، او "عملية السلام" ومنتجاتها من الاتفاقيات.
وعليه يصبح الاجتماع السياسي الذي لم يحسم موقفه من هذه المسألة الاساسية اجتماعا عبثيا لا يملك رؤية علمية حول الصراع في المنطقة وآفاق هذا الصراع. ولعل النقاط الاثنتي عشر الواردة في وثيقة التحالف الشعبي العربي المقاوم (انظر الملحق بعد هذا المقال) تشكل مدخلا هاما للاسس التي قد يتم بناءا عليها اعادة الترتيب المقترحة.
اعادة طرح "الدولة العلمانية" كأفضل خيار للمواجهة والتقدم.
بكل اسف، نجح الاحتلال الامريكي في العراق بخلق حالة طائفية/اثنية تفتيتية على قاعدة سني-شيعي-كردي، وهو نموذج يراد تعميمه في بقية الاقليم (الموحد تحت الهيمنة الامريكية/الصهيونية، والمفكك على مستوى الكتل الاجتماعية كما شرحت سابقا).
والسيناريو التفكيكي هذا جاهز بدرجات مختلفة في لبنان (على قاعدة سني-شيعي-مسيحي) وفي مصر (على قاعدة مسلم-قبطي) وفي سوريا (على قاعدة سني-علوي-مسيحي-كردي) وفي دول الخليج (على قاعدة سني-شيعي) وفي السودان (على قاعدة مسلم-مسيحي، شمال-جنوب) وفي المغرب العربي (على قاعدة عرب-امازيغ).
وللأسف ايضا، وبحجة "اثبات وحدة الصف الوطني"، تتعامى القوى الوطنية عن الفرز الطائفي في العراق وعن العدوى التي نشرها في الاقليم، بينما المطلوب هو تشخيص هذه الحالة ومواجهتها.
وافضل خيار للمواجهة هنا هو ليس الا المشروع نفسه الذي حمله التنويريون العرب اوائل القرن الماضي، وهو مشروع "الدولة العربية الديمقراطية العلمانية"، وهي الصيغة الوحيدة القادرة على قبر المشروع التفتيتي الامريكي وتحييد الفوارق الدينية والمذهبية والطائفية والاثنية والعرقية واطفائها.
طبعا اختفى الكلام عن العلمانية اعتبارا من الثلث الاخير للقرن الماضي نظرا لاشتداد قوة تيارات الاسلام السياسي وهجومها الكاسح على العلمانية تثبيتا لوجهة نظرها حول المفهوم الديني للدولة. فيما عمدت القوى العلمانية الى تناسي (او حتى التخلي عن) هذا الموضوع نظرا لدخولها في تحالفات سياسية مع التيارات الاسلامية التي تمللك الشارع ورغبتها عدم "ازعاج" مثل هذه التحالفات.
من الجدير ملاحظته ان طروحات تيارات الاسلام السياسي (من حيث كانت تدري هذه التيارات او لا تدري) كانت هي الارضية الاساسية التي صاغت عليها الولايات المتحدة مشروعها التفكيكي، وان مفهوم "الدولة الدينية" (سنية كانت او شيعية) الذي تطرحه هذه التيارات يشكل الارضية النظرية للدعاية لمشروع الطوائف والاثنيات، وهو أمر طالما حذر منه العلمانيون العرب.
توسيع قاعدة العمل الشعبي من الاطار العربي الى اطار المنطقة كلها
من المعروف ان المشروع الامريكي المسمى "الشرق الاوسط الاوسع أو الجديد أو الكبير" يتضمن دولا ومناطق أخرى غير المنطقة العربية مثل تركيا وايران والباكستان وافغانستان، وشعوب هذه الدول هي الاخرى متضررة من هذا المشروع كما الشعب العربي، " وعليه تكون المواجهة ليست مسؤولية العرب وحدهم بل هي مسؤولية الشعوب المهددة كلها في سياق "الشرق الاوسط الاوسع"، ويكون التحالف الشعبي الواقف في الخندق المقاوم هو تحالف بين جميع شعوب المنطقة بالضرورة، ويتطور من تحالف شعبي عربي – عربي الى تحالف شعبي عربي – تركي – كردي – ايراني – باكستاني مقاوم للـ"شرق الاوسط الاوسع" وللامبريالية والصهيونية، وهو تطور يوحد جبهة المقاومة ويوسع رقعتها ويطوق المشروع الامريكي/الصهيوني في العراق وفلسطين من جميع الجهات."(18)
التحالف مع القوى الصاعدة المناهضة للامبريالية في امريكا الجنوبية
في عالم تهيمن عليه الولايات المتحدة بالاقتصاد والابتزاز والحديد والنار، تصبح المواجهة "الانفرادية" لمثل هكذا قوة صعبا وطويلا، ولا بد من اتباع سياسة بناء الاحلاف على مستوى عالمي لتحقيق تقدم حقيقي وفعال.
قلنا ان التحالف على المستوى الشعبي يتضمن بالضرورة جميع شعوب المنطقة (عرب-أكراد-اتراك-ايرانيين-باكستانيين-أفغان)، ولكن ذلك لا ينطبق على صعيد الدول/الانظمة، فالقوتين/المشروعين الاخرين في المنطقة العربية (ايران وتركيا) ليسا مناهضين للامبريالية بل يملكان مشاريع هيمنة أخرى، ويعملان في سياق مصالحهما لا في سياق مصالح الشعوب، وبالتالي لا يمكن البحث عندهما عن تحالفات.
الانظمة الوحيدة التي تأخذ الشكل المناهض للامبريالية في عالمنا المعاصر توجد الآن في امريكا الجنوبية، وبالتحديد في كوبا وفنزويلا وبوليفيا، وهذه تشكل رافعة حقيقية لبقية دول القارة للتحول الى اليسار الراديكالي بصيغته الشعبية المتعارضة كليا مع مشاريع الهيمنة والسيطرة، ومن الضروري جدا البدء بخطوات حقيقية باتجاه تشكيل تحالف شعبي عربي مع ذلك المحور.
الهوامش
- صحيفة الرأي الاردنية، 2/8/2006.
- صحيفة الرأي الاردنية، 29/8/2006.
- احمد عيد المصاروة، قراءة استراتيجية في حرب الشرق الاوسط الجديد، جريدة الرأي الاردنية، السبت 9/9/2006، ص 34.
- " نأت الرياض بنفسها عن حزب الله منتقدة تصرفاته التي وصفتها بانها مغامرات غير محسوبة. وقال بيان نشرته وكالة الانباء السعودية الرسمية نقلا عن مصدر مسؤول ان المملكة تعلن بوضوح انه لا بد من التفرقة بين المقاومة الشرعية والمغامرات غير المحسوبة التي تقوم بها عناصر داخل الدولة ومن ورائها دون الرجوع الى السلطة الشرعية في دولتها ودون تشاور او تنسيق مع الدول العربية. واوضح البيان ان المملكة ترى ان الوقت قد حان لان تتحمل هذه العناصر وحدها المسؤولية الكاملة عن هذه التصرفات غير المسؤولة وان يقع عليها وحدها عبء انهاء الازمة التي اوجدتها"، صحيفة الدستور الاردنية، 15/7/2006؛ "واكد جلالة الملك عبدالله الثاني والرئيس المصري محمد حسني مبارك على ضرورة التزام جميع الاطراف الاقليمية باقصى قدر من ضبط النفس والمسؤولية وعدم القيام باية اعمال تصعيدية غير مسؤولة تستهدف جر المنطقة الى اوضاع خطيرة وتورطها في مواجهات غير محسوبة تتحمل تبعاتها دول المنطقة وشعوبها.... كما حذر الزعيمان من انجراف المنطقة الى مغامرات لا تخدم المصالح والقضايا العربية"، صحيفة الرأي الاردنية، 15/7/2006؛ "أكد مجلس الوزراء [الاردني] على أن الأردن يقف ضد كل ما من شأنه تعريض الشعب الفلسطيني وقضيته ولبنان وسيادته إلى مخاطر غير محسوبة"، صحيفة الرأي الاردنية، 14/7/2006.
- احمد عيد المصاروة، مذكور سابقا.
- قال امين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى امس اثر الاجتماع الوزاري العربي ان عملية السلام في الشرق الاوسط ''ماتت''. مضيفا ''ان كافة الاجراءات التي اعتمدها المجتمع الدولي بما في ذلك اللجنة الرباعية كلها ادت الى فشل عملية السلام او دفن عملية السلام او تسليمها لاسرائيل لتتولى قتلها ومعالجتها بالطريقة التي تناسبها''، صحيفة الدستور الاردنية، 16/7/2006.
- قال الملك عبد الله الثاني في مقابلة اجراها مع صحيفتي الرأي والغد الاردنيتان نشرت يوم 3/8/2006: "يجب أن تدرك أميركا أن الحرب لن تجلب إلا المزيد من الويلات والعنف والتطرف، وأنه لا حل عسكريا للصراع....الغضب ليس فقط على المستوى الشعبي، نحن أيضا غاضبون...يجب أن يدرك الجميع أن أساس المشكلة هو استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية.. وأؤكد مجددا أنه ما دام هناك احتلال فسيكون هناك مقاومة...طالما هنالك عدوان واحتلال.. سيكون هنالك مقاومة وسيكون هنالك امتداد شعبي ودعم للمقاومة...الحرب لن تحقق شيئا.. نهاية الصراع هي في إحقاق الحقوق، في رفع الظلم، في إقناع الناس بأن هنالك عملية سلمية ستنهي الاحتلال، وستوفر بداية لحياة آمنة كريمة."
- نقل قنابل ذكية من قاعدة "العديد" فـي قطر إلى إسرائيل لاختراق خنادق حزب الله، صحيفة الرأي الاردنية، 25/7/2006.
- ومصطلح "ترتب عليها" يعني ان هبة نيسان لم تنتج هذا التحول، لان اسباب الهبة الاساسية (سياسات اعادة الهيكلة الاقتصادية المفروضة من قبل البنك الدولي التي ادت الى تدمير حياة المواطن العادي) لم تعالج، اضافة الى ان الممسك بكل خيوط اللعبة كان السلطة السياسية وعليه فقد "عالجت" السلطة السياسية الهبة او "سكنتها" بهذه الاجراءات ثم سحبتها لاحقا، فالاحكام العرفية عادت بقوانين مثل القوانين المؤقتة في عهد رئيس الوزراء علي ابو الراغب، والتي صادق البرلمان عليها وعلى ما هواسوأ منها مثل قانون منع الارهاب الحالي. وبرأيي ان "الحياة الديموقراطية" كانت قادمة بهبة او بدون هبة كاستحقاق اولي لتوقيع معاهدة "السلام" مع الكيان الصهيوني.
- هانس بيترمارتين و هارالد شومان، فخ العولمة، ترجمة عدنان عباس علي، الكويت: سلسلة عالم المعرفة، عدد شهر اغسطس 2003، ص 40.
- تدعي هذه الاطر انها تمثل ارادات الشعوب، فميثاق الامم المتحدة مثلا يبدأ بعبارة: "نحن شعوب الامم المتحدة..."، بينما الاجدر بها ان تكون: "نحن قوى العالم الغاشمة..."!
- احد الامثلة على مثل هذه الاطر هو "التحالف الشعبي العربي المقاوم" – راجع وثيقته الاساسية كملحق تحت هذا المقال.
- محمد خالد، محنة قضية عادلة، صحيفة العرب اليوم الاردنية، السبت 18/1/2003، ص9.