غازي الصوراني
11/ آذار/ 2007
لم يعد ثمة خلاف على أن المتغيرات العالمية، النوعية المتدفقة، التي ميزت العقدين الأخيرين من القرن العشرين، في السياسة و الاقتصاد والتطور العلمي، شكلت في مجملها واقعاً تاريخياً معاصراً ورئيسياً وضع كوكبنا الأرضي على عتبة مرحلة جديدة ، في القرن الحادي والعشرين، لم يعهدها من قبل، ولم يتنبأ بمعطياتها ووتائرها المتسارعة أشد الساسة والمفكرين استشرافا أو تشاؤماً وأقربهم إلى صناع القرار، في هذا المناخ وجدت الإمبريالية الأمريكية فرصتها في التمدد والهيمنة على كثير من مناطق العالم عموماً، على منطقتنا العربية خصوصاً، لتكريس تبعيتها وتخلفها من جهة، وإعادة هيكلتها و تكييفها بما يضمن إلحاقها بصورة شبه مطلقة لسياساتها في المنطقة التي تستهدف –بصورة يائسة لا مستقبل لها- تجديد الدور الوظيفي للعدو الصهيوني ودولته بما يتوافق مع مستجدات المصالح الأمريكية المعولمة الراهنة ، بحيث تصبح إسرائيل "دولة امبريالية مركزية" في المنطقة العربية والإقليمية يحيطها مجموعات من "دول الأطراف"، المتكيفة –التابعة مسلوبة الإرادة، بما يضمن ويسهل عملية "التطبيع" و"الاندماج" الإسرائيلي في المنطقة العربية، سياسياً واقتصادياً، تمهيداً للقضاء على منظومة الأمن القومي العربي كله من جهة و بما يعزز السيطرة العدوانية الإسرائيلية على كل الأراضي الفلسطينية –والعربية- المحتلة أو التحكم في مستقبلها من جهة أخرى .
11/ آذار/ 2007
لم يعد ثمة خلاف على أن المتغيرات العالمية، النوعية المتدفقة، التي ميزت العقدين الأخيرين من القرن العشرين، في السياسة و الاقتصاد والتطور العلمي، شكلت في مجملها واقعاً تاريخياً معاصراً ورئيسياً وضع كوكبنا الأرضي على عتبة مرحلة جديدة ، في القرن الحادي والعشرين، لم يعهدها من قبل، ولم يتنبأ بمعطياتها ووتائرها المتسارعة أشد الساسة والمفكرين استشرافا أو تشاؤماً وأقربهم إلى صناع القرار، في هذا المناخ وجدت الإمبريالية الأمريكية فرصتها في التمدد والهيمنة على كثير من مناطق العالم عموماً، على منطقتنا العربية خصوصاً، لتكريس تبعيتها وتخلفها من جهة، وإعادة هيكلتها و تكييفها بما يضمن إلحاقها بصورة شبه مطلقة لسياساتها في المنطقة التي تستهدف –بصورة يائسة لا مستقبل لها- تجديد الدور الوظيفي للعدو الصهيوني ودولته بما يتوافق مع مستجدات المصالح الأمريكية المعولمة الراهنة ، بحيث تصبح إسرائيل "دولة امبريالية مركزية" في المنطقة العربية والإقليمية يحيطها مجموعات من "دول الأطراف"، المتكيفة –التابعة مسلوبة الإرادة، بما يضمن ويسهل عملية "التطبيع" و"الاندماج" الإسرائيلي في المنطقة العربية، سياسياً واقتصادياً، تمهيداً للقضاء على منظومة الأمن القومي العربي كله من جهة و بما يعزز السيطرة العدوانية الإسرائيلية على كل الأراضي الفلسطينية –والعربية- المحتلة أو التحكم في مستقبلها من جهة أخرى .
إلا أن هذه الاستنتاجات –على مرارتها- ترتبط باللحظة الراهنة من المشهد العربي، و هي لحظة لا تعبر عن الحقائق ومقومات التغيير رغم كل المؤشرات التي توحي للبعض، أو القلة المهزومة، من أصحاب المصالح الأنانية الضيقة، ان المشهد العربي المهزوم والمأزوم الراهن، يوحي بأن المطلوب قد تحقق، وأن الإمبريالية الأمريكية وصنيعتها وحليفتها الحركة الصهيونية وإسرائيل، قد نجحتا في نزع إرادة الأمة العربية وجماهيرها الشعبية الفقيرة، ذلك إن وعينا بأن المشهد الراهن –على سوداويته- لا يعبر عن الحقائق الموضوعية لهذه الأمة، في مسارها وتطور حركة جماهيرها الشعبية وتطلعها نحو التحرر والديمقراطية والتقدم والعدالة الاجتماعية.
إن إيماننا بآفاق المستقبل الواعد لشعوبنا العربية –في حسم الصراع العربي الصهيوني بما يحقق أماني ومصالح هذه الأمة، لا يعني أننا نؤمن بحتمية تاريخية يكون للزمان والمكان دوراً رئيسياً وأحادياً فيها، بل يعني تفعيل وإنضاج عوامل وأدوات التغيير الديمقراطية الحديثة والمعاصرة، والبحث عن مبرراتها وأسانيدها الموضوعية الملحة من قلب واقعنا الراهن، الذي لم يعد مجدياً لتغييره، كافة الأدوات والرؤى والسياسات الرسمية العربية الهابطة، التي تعاطت منذ كامب ديفيد ومدريد وأوسلو ووادي عربة وشرم الشيخ وواي ريفر ولجنة ميتشل ووثيقة جورج تينيت وصولا الى "خارطة الطريق" و"خطة أولمرت"، مع حلقات مغلقة، انتقلنا عبرها إلى مزيد من التفاوض، ومزيد من المصالح و الصداقات، و ضياع الهدف بعد تغييب الثوابت الوطنية والقومية، التي يكاد أن يصبح أمراً طبيعياً بعدها، أن تتغير الأهداف وجداول الأعمال والمطالب.
في مثل هذا الواقع، تنضج معطيات ومقدمات عملية التغيير، بصورة تراكمية، بطيئة أو متسارعة، وموضوعية أيضاً، ليس بالمعنى الذاتي –على أهميته- لهذا الحزب أو ذاك، وإنما بالمعنى الوطني والقومي العام كآليات أو إرهاصات فكرية تتمحور حول فكرة أو مجموعة أفكار توحيدية تعبر عن تطلعات كل الجماهير الشعبية العربية في التحرر والديمقراطية والانعتاق والخلاص من كل أشكال المعاناة والحرمان والظلم الوطني والطبقي .
إن الوضع الراهن، الذي تعيشه شعوبنا العربية عموماً، لم يكن ممكناً تحققه بعيداً عن عوامل التفكك و الهبوط التي بدأت في التراكم منذ اتفاقية "سايكس بيكو" وتجزئتها لوطننا العربي عام 1916، ووعد بلفور عام 1917، والنكبة الأولى لشعبنا الفلسطيني عام 1948، ثم انهيار الوحدة العربية بين مصر وسوريا في أيلول 1961، و تطورت بعد هزيمة حزيران 1967، و تعمقت و امتدت بعد كامب ديفيد 1979 إلى اليوم، لدرجة أن ربع القرن الأخير وبداية القرن الحادي والعشرين، حمل معه صوراً من التراجع لم تعرف جماهيرنا مثيلاً لها في كل تاريخها الحديث، فبدلاً مما كان يتمتع به العديد من بلدان الوطن العربي في الستينات من إمكانات للتحرر والنهوض الوطني والقومي، تحول هذا الوطن بدوله العديدة و سكانه إلى رقم كبير –يعج بالنزاعات الداخلية والعداء بين دوله-، لا يحسب له حساب أو دور يذكر في المعادلات الدولية ، و تحولت معظم أنظمته وحكوماته إلى أدوات للقوى المعادية ، فيما أصبح ما تبقى منها عاجزاً عن الحركة والفعل والمواجهة، في إطار عام من الخضوع والارتهان والتبعية على تنوع درجاتها وأشكالها السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والثقافية والسيكولوجية، في ظروف فقدت فيها القوى والأحزاب الديمقراطية التقدمية، الوطنية والقومية قدرتها –لأسباب ذاتية وموضوعية- على الحركة والنشاط والنمو، وتراجع دورها في التأثير على الناس أو على الأحداث من حولها .
على أي حال، ومع إدراكنا لطبيعة هذه التراجعات في الوضع العربي التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه، لم تكن معزولة أبداً عما جرى ويجري في العلاقات الدولية المعولمة الراهنة، إلا أننا ندرك أيضاً أنه لولا هذه التراجعات العربية التي شكلت قاعدة ومناخاً عاماً عبر أدواتها السياسية وشرائحها الاجتماعية وطبقاتها القديمة الجديدة، لما نجحت العولمة في فرض شروط التخلف والتبعية والاستسلام على بلداننا، ذلك لأن ظاهرة العولمة إلى جانب ما تحمله من مخاطر شديدة وتحديات كبرى، خاصة على بلدان العالم الثالث عموماً والوطن العربي خصوصاً، إلا أن هذه الظاهرة تحمل أيضاً كثيراً من الفرص وحوافز الصحوة والنهوض لمن يمتلكون الإرادة، ومثالنا على ذلك ما يجري اليوم من انتصارات في العديد من بلدان أمريكا اللاتينية، فنزويلا والبرازيل وبوليفيا وغيرها، إذ لا يمكن اختزال العولمة في المخاطر وحدها بعيداً عن فرص النهوض ، كما لا يمكن اختزالها في أنها عولمة التحديات، أو عولمة الاستسلام ، فكل منهما تمتلك مقوماتها و أدواتها و آلياتها الداخلية. وإذا كان صحيحاً أن العولمة –مهما اشتدت هيمنتها- لا تستطيع بأي حال من الأحوال، شطب هذا التنوع الحضاري والتاريخي والثقافي والسياسي بين الأمم والقوميات، فإن ذلك لا يعني الصمت أو الركون والاطمئنان، لأن الصراع المستمر والحركة الصاعدة في إطاره، يشكلان القاعدة الأساسية التي تحكم التكتلات الدولية اليوم أكبر بما لا يقاس مما كانت عليه في السابق ، لذلك فإن عدم دخولنا – كعرب- إلى حلبة الصراع متسلحين بالرؤية أو الهدف القومي الوحدوي ، وبالخطط اللازمة لتحقيقه و توفير مقوماتها و آليات تنفيذها، سيعني مزيداً من التبعية والقهر لشعوبنا، ومزيداً من التراجع لبلداننا على هامش التاريخ أو خارجه لا فرق.
في ضوء ما تقدم، فإن شرط الحديث عن إعادة تفعيل عملية التغيير الوطني الديمقراطي في إطار تجديد المشروع النهضوي القومي المقاوم، للخروج من هذا المشهد أو المأزق الخانق، هو الانطلاق بداية من رؤية ثورية واقعية جديدة لحركة التحرر القومي باعتبارها ضرورة تاريخية تقتضيها تناقضات المجتمع العربي الحديث وضرورات تطوره المستقبلي من جهة، وبوصفها نقيض الواقع القائم من جهة أخرى، على أن هذه الرؤية لكي تستطيع ممارسة دورها الحركي النقيض، والقيام بوظيفتها ومهماتها التاريخية فلا بد لها من امتلاك الوعي بالمحددين التاليين:
1- أن تكون رؤية وحدوية تستند الى الجماهير الشعبية من العمال والفلاحين الفقراء باعتبارها السند الحقيقي الوحيد لهذه الرؤية الهادفة إلى إلغاء نظام التجزئة الذي فرضته الإمبريالية، وتوحيد الجماهير العربية بما يخلق منها قوة قادرة على التطور والتقدم والفعل التاريخي على الصعيد العربي و الإنساني العام .
2- أن تسعى إلى استيعاب السمات الأساسية لثقافة التنوير والحداثة، و ما تضمنته من عقلانية علمية وروح نقدية إبداعية واستكشافية متواصلة في فضاء واسع من الحرية والديمقراطية، وما يعنيه ذلك من إدراك الدور التاريخي للذات العربية وسعيها إلى الحركة و التغيير انطلاقاً من أن الإنسان هو صانع التاريخ و القادر على الابتكار والتغيير في حاضره ومستقبله .
إذ أن جوهر تناقضاتنا الرئيسة مع الحركة الصهيونية وقوى العولمة الإمبريالية وتوابعها المحلية يقوم على الصراع من اجل استرداد الأرض والموارد و الثروات المادية والبشرية العربية لإلغاء حالة النهب والاستلاب والارتهان والاستغلال او الاستيلاء على فائض القيمة لشعوبنا العربية الذي مارسته –وما زالت- قوى النظام الامبريالي على شعوبنا منذ بداية القرن الماضي الى يومنا هذا، و بالتالي فإننا نؤكد أن حل هذا الصراع لتحرير الأرض و الثروات والموارد العربية لا يمكن تحقيقه بدون تغيير بنية العلاقات الإنتاجية والاجتماعية التابعة والمتخلفة والمشوهة الحالية، إلى بنية إنتاجية تنموية حضارية شاملة تضمن توليد علاقات اجتماعية ذات طابع جماعي تعاوني، يؤكد في جوهره على حق جماهيرنا الشعبية في ملكية هذه الثروات والموارد عبر مؤسساتها الديمقراطية التي ترى في الحوافز الفردية والدافعية الذاتية شرطاً للإبداع والبناء وضمانة للتطور المتجدد والاستمرار .
إننا ندرك حجم العقبات أو العوامل الموضوعية والذاتية التي تشكل تحدياً حقيقياً في وجه تجدد المشروع القومي العربي، الذي حمل –كما أشرنا من قبل- صوراً من التراجع تخطت كثيراً من الثوابت والحدود والموانع ، وما زال رسمها البياني متجهاً في حركته نحو مزيد من التراجع والهبوط حتى اللحظة، لم يصب بالضرر الجوانب السياسية الاجتماعية والاقتصادية فحسب، وإنما أصاب أيضاً الأسس الفكرية أو المفاهيم العامة التي ارتبطت تاريخياً بحقيقة الوعي بمفهوم الوطنية وارتباطها بمفهوم الأمة العربية، بما يعزز ويضمن تطوير هذا المفهوم وإخراجه من سياقه الرومانسي المألوف أو المتحجر إلى رحاب الواقعية العقلانية الحديثة، فالقومية الحقة ليست دعوة سياسية فحسب، إنما هي حركة تقدمية شاملة لحياة الشعب، تعمل على مواجهة العوامل الرئيسية في أزمة المجتمع العربي خاصة في ظروف العولمة الامبريالية الراهنة.
إننا لا نزعم - كيسار قومي ديمقراطي- أننا ننفرد بالدعوة الى إعادة تجديد وتفعيل الفكر القومي ومشروعه النهضوي في بلادنا، ذلك لأن هذه الرؤية تشكل اليوم هاجسا مقلقا ومتصلا في عقل وتفكير العديد من المفكرين والمثقفين في إطار القوى الوطنية والقومية الديمقراطية، كما في اطار التيار الديني المستنير والمقاوم على مساحة الوطن العربي كله، وهي أيضا ليست دعوة الى القفز عن واقع المجتمع العربي أو أزمته الراهنة التي تتبدى في العديد من المظاهر والمؤشرات :
أولاً : مظاهر الأزمة على الصعيد السياسي،
ثانياً : مظاهر الأزمة على الصعيد الاقتصادي،
ثالثاً : مظاهر الأزمة على الصعيد الاجتماعي.
أولاً : المظهر السياسي للأزمة :
لعلنا نتفق أن أبرز المتغيرات الدولية المعاصرة أو العوامل الخارجية، التي دفعت بالبلدان العربية نحو المزيد من التداعي والتراجع ، تمثلت في انهيار الاتحاد السوفيتي، والهجوم الإمبريالي ضد العراق واحتلاله، ومن ثم تواصل الهجمات العدوانية الامبريالية الصهيونية، والنزاعات والحروب الأهلية، كما جرى ويجري في العراق ولبنان والسودان والصومال وولادة "مشاريع التسوية العربية-الإسرائيلية" وما رافق ذلك من إعادة إنتاج أفكار إسرائيلية-أمريكية حول ما يسمى بالنظام الشرق أوسطي الجديد .
والمعروف أن هذه المتغيرات لم تكن قادرة على التأثير، بدون استكمال عوامل التبعية والخضوع والتراجع الداخلي في مجمل النظام العربي، وتراكماتها وتحولاتها النوعية السالبة التي تفاقمت خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، وتفاقمت مع بداية القرن الحادي والعشرين، كان من أهم نتائجها، هذه التحولات الخطيرة في الاستراتيجية السياسية العربية نحو مسار نقيض كما نشهد اليوم، فبعد أن كان جوهر الاستراتيجية السياسية العربية وقواعدها –الأنظمة الوطنية- في خمسينيات وستينيات القرن الماضي ، يرتكز على التناقض الأساسي التناحري مع النظام الإمبريالي وركيزته الحركة الصهيونية وإسرائيل ، كتناقض أو صراع وجودي وتاريخي وحضاري شامل، تحول منذ اتفاقية كامب ديفيد 1979 الى شكل آخر يقوم على الاعتراف بإسرائيل ووجودها كدولة مشروعة في المنطقة العربية.
ثالثاً : مظاهر الأزمة على الصعيد الاجتماعي.
أولاً : المظهر السياسي للأزمة :
لعلنا نتفق أن أبرز المتغيرات الدولية المعاصرة أو العوامل الخارجية، التي دفعت بالبلدان العربية نحو المزيد من التداعي والتراجع ، تمثلت في انهيار الاتحاد السوفيتي، والهجوم الإمبريالي ضد العراق واحتلاله، ومن ثم تواصل الهجمات العدوانية الامبريالية الصهيونية، والنزاعات والحروب الأهلية، كما جرى ويجري في العراق ولبنان والسودان والصومال وولادة "مشاريع التسوية العربية-الإسرائيلية" وما رافق ذلك من إعادة إنتاج أفكار إسرائيلية-أمريكية حول ما يسمى بالنظام الشرق أوسطي الجديد .
والمعروف أن هذه المتغيرات لم تكن قادرة على التأثير، بدون استكمال عوامل التبعية والخضوع والتراجع الداخلي في مجمل النظام العربي، وتراكماتها وتحولاتها النوعية السالبة التي تفاقمت خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، وتفاقمت مع بداية القرن الحادي والعشرين، كان من أهم نتائجها، هذه التحولات الخطيرة في الاستراتيجية السياسية العربية نحو مسار نقيض كما نشهد اليوم، فبعد أن كان جوهر الاستراتيجية السياسية العربية وقواعدها –الأنظمة الوطنية- في خمسينيات وستينيات القرن الماضي ، يرتكز على التناقض الأساسي التناحري مع النظام الإمبريالي وركيزته الحركة الصهيونية وإسرائيل ، كتناقض أو صراع وجودي وتاريخي وحضاري شامل، تحول منذ اتفاقية كامب ديفيد 1979 الى شكل آخر يقوم على الاعتراف بإسرائيل ووجودها كدولة مشروعة في المنطقة العربية.
ومع استمرار تراكم الأزمة الداخلية وتكريس تبعية وإلحاق النظام العربي بالنظام الدولي "الجديد"، رغم اتفاقات كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة وما تلاها من اعترافات وتطبيع تزايدت حالة العجز والخضوع في بنية وسياسات النظام العربي بحيث بات غير قادر على المطالبة بتطبيق مبدأ "الأرض مقابل السلام" ناهيك عن قرارات الشرعية الدولية في حدودها الدنيا المتمثلة بقرارات 242 و 338 ، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل بات النظام العربي فاقدا للقدرة على مجرد رفض المشاريع الأمريكية-الإسرائيلية ، كما جرى في قبوله لخارطة الطريق و"خطة شارون/ أولمرت" و"بيان مكة" مؤخرا، في ظل استمرار اقامة الجدار والتوسع الصهيوني في الضفة الفلسطينية، بما يشير الى أن الحالة العربية الرسمية الراهنة بمجملها أصبحت تستجدي الاعتراف بالحقوق الفلسطينية والعربية من واشنطن وتل أبيب رغم إدراكها باستحالة تحقيق ذلك الاعتراف خاصة بعد أن تم تكييف وإعادة هيكلة النظام العربي وفق شروط النظام الرأسمالي، بحيث أصبحت أوضاعه الداخلية كلها رهينة للمقرر الخارجي، الامريكي/الصهيوني، وأدواته المتمثله في الصندوق والبنك الدوليين والشركات المتعدية الجنسية ومنظمة التجارة الدولية وشروطها السياسية والاقتصادية .
في ضوء ما تقدم فإن العنوان الأمثل للأزمة السياسية العربية الراهنة، يتجلى في تغير المفاهيم والمبادئ والأهداف ، بعد أن تغيرت طبيعة الأنظمة وتركيبتها وركائزها الاجتماعية والطبقية وتحالفاتها الداخلية بما يتوافق مع الهيمنة الأمريكية وأحاديتها، حيث انتقل النظام العربي بمجمله من أرضية التحرر الوطني والاجتماعي كعنوان رئيسي سابق ، الى أرضية التبعية والانفتاح والارتهان السياسي كعنوان جديد منذ نهاية القرن العشرين إلى اليوم، بعبارة أخرى لم تعد القضايا العربية الداخلية والخارجية عموما، والقضية الفلسطينية بالذات، تمثل صراعا مصيريا لا يقبل المصالحة بين طرفيه: الإمبريالية العالمية وإسرائيل من جهة وحركة التحرر الوطني العربية من جهة أخرى، وتحول التناقض الأساسي إلى شكل آخر أشبه بالتوافق العربي الرسمي-الأمريكي-الإسرائيلي، أوصل النظام العربي إلى حالة تكاد تعبر عن فقدانه لوعيه القومي وثوابته ومرجعياته سواء بالنسبة للقضايا السياسية الاقتصادية الاجتماعية الداخلية أو ما يتعلق بالقضية الفلسطينية والحقوق التاريخية أو قرارات الشرعية الدولية، ولم يكن غريبا في مثل هذه الحالة من التراجع والانكسار، بروز التناقضات الرئيسة والثانوية الداخلية في إطار التحولات العالمية الجديدة أو العولمة، لتبدأ دورتها في تفتيت الكيانات العربية، فبالرغم من تصاعد دور المقاومة واشتعالها ضد الاحتلال الامبريالي في العراق الشقيق، كما هي في لبنان عبر دور "حزب الله" الطليعي ضد المحتل الصهيوني وعداءة للنظام الصريح الامبريالي وحرصه على تماسك الوحدة الوطنية والمجتمعية اللبنانية في الإطار القومي، وكذلك صمود المقاومة وتواصلها عبر كافة فصائل وقوى النضال الوطني والمسلح في فلسطين، هناك حروب (وصراعات تناحرية أخرى) مشتعلة او كامنة في العراق والصومال والسودان وفلسطين ولبنان، دلالة على ذلك ان "العرب في المرحلة الراهنة أمام الخط الأحمر لعصر العولمة، فهو يسير باتجاه الوحدات الكبيرة، في حين ان العرب يسيرون في الاتجاه المعاكس، أي من الدولة إلى القبيلة او الطائفة، ومن المجتمع الموحد إلى التشظي عبر الصراعات العرقية والمذهبية والقبلية وغيرها"(1) ، في ظل سيطرة عسكرية وأمنية مباشرة وغير مباشرة لقوى الامبريالية وحليفها الصهيوني في العديد من البلدان العربية.
ولكن رغم إقرارنا بحجم هذه الضغوط الخارجية، ودورها كتناقض رئيسي ضد مصالحنا الوطنية و القومية، إلا أن الأوضاع و التفاعلات الداخلية العربية تشكل العامل الرئيسي الأول في نجاح أو فشل تلك الضغوط الخارجية، فمن غير الممكن تحليل الأوضاع السياسية العربية، ومسارها، بمعزل عن مسار التطور الاقتصادي الاجتماعي الداخلي باعتباره الركيزة الأولى والمدخل الفسيح لخضوع النظام العربي وتبعيته للمراكز الرأسمالية وضغوطاتها الخارجية، إذ أن التراكمات البطيئة والمتسارعة في الواقع الاقتصادي الاجتماعي السياسي العربي، وتحولاتها خلال العقود الأربع الماضية ، عبر سيطرة القوى الرأسمالية، الطفيلية، والبيروقراطية، والتجارية، والعقارية، والمالية الكبيرة على مجمل البنية الاجتماعية والسياسية العربية في مناخ الاقتصاد الحر والانفتاح ، أدت إلى تراكم و اتساع التناقضات الداخلية مع الجماهير الشعبية من جهة، وإلى تطابق مصالح البنية الطبقية العليا الداخلية الحاكمة، مع مصالح و شروط المراكز الرأسمالية الخارجية أو العولمة من جهة أخرى، وفي هذا الجانب يقول د. مسعود ضاهر "إذا كانت تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الدولية وتقارير التنمية العربية تشير الى صورة قاتمة حول المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها العرب في المرحلة الراهنة، فان الواقع السياسي أكثر مأساوية"(2).
المسألة الثانية التي تؤكد على أولوية الأوضاع الداخلية العربية كعامل أساسي في تحديد شكل و طبيعة التعامل مع العوامل أو الضغوطات الخارجية ، يمكن إيضاحها عبر تطبيقات شروط العولمة على بلداننا العربية، بكل صورها السياسية والمجتمعية والاقتصادية التي لم تواجه أية عقبات أو صعوبات تعترض طريقها بحكم طبيعة و مكونات البنية الطبقية و السياسية الحاكمة في هذه البلدان التي تتباين أشكال أنظمتها السياسية بين الدولة القبيلة أو المشيخة، إلى الدولة –العائلة، إلى نظام الدولة المحكوم كليا للمحتل الأمريكي كما في العراق وغيره من دويلات الخليج، إلى نظام الدولة البيروقراطي ، الفردي، أو الأوتوقراطي، الأبوي عموماً بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي السائد فيه، إلا أن مظاهر التفرد والاستبداد والفساد والفقر والفوضى وعدم الاستقرار تكاد تكون قاسماً مشتركاً من حيث الجوهر، مع اختلاف درجاتها و أشكالها ونسبيتها في هذه الدولة أو تلك، نلاحظ ذلك بوضوح في غياب التوازن بين الانفتاح والسوق الحر و حرية المنافسة والخصخصة من جهة، و بين ما تتطلبه هذه الآليات من حريات أو تعددية سياسية أو ديمقراطية أحادية ، بما يعني استمرار هيمنة الدولة بكل أشكالها ومظاهرها القديمة والحديثة ، و تمسكها بتطبيق مبدأ التعامل مع السلطة كمصدر للثروة ، في خدمة البنية الطبقية الفوقية أو الشرائح الاجتماعية العليا، القديمة و المستحدثة التي تفرض على شعوبنا –عبر أجهزتها و مؤسساتها الإكراهية المتنوعة- أن تتحول إلى "خادم" للسلطة أو الدولة بدلاً من أن تكون هذه الأخيرة هي الخادمة لمصالح شعوبها، و في هذه العلاقة يتجلى دور الدولة أو النظام أو السلطة كعامل داخلي متحكم في صياغة شكل العلاقة مع العوامل الخارجية، حيث يتغيب الجزء الثاني من معادلة العولمة أو مفاهيم الليبرالية الجديدة والتعددية السياسية عند تطبيقها في بلادنا دون أن يعني ذلك أن الدولة في بلادنا تتخذ مساراً نقيضاً لشروط هذه العولمة، بل بالعكس، الموافقة عليها و الخضوع و التماهي مع شروطها، الأمر الذي سيتطلب المزيد من الإجراءات والوسائل الإكراهية في مواجهة القوى السياسية المعبرة عن مصالح الجماهير الشعبية، وردود أفعالها المحتملة ضد سياسات التوافق والانسجام مع النظام الإمبريالي المعولم وما يتطلبه ذلك من التطبيع مع العدو الصهيوني من جهة، وللخلاص من مظاهر الحرمان والمعاناة الناتجة عن تزايد مساحات الإفقار والبطالة من جهة أخرى، ففي مثل هذا المناخ تنمو التراكمات الداخلية التي تصل عند لحظة معينة إلى حدها أو سقفها النهائي الذي يعني القطيعة أو الانفصام بين هذه الدول وشعوبها، وما سينتج عن ذلك من شعور عميق لدى الجماهير الشعبية بالخوف من السلطة أو الدولة و العداء السافر أو الكامن ضد ممارساتها ، وهو شعور يعبر عن حاجة هذه الجماهير لمن يحميها من التسلط والفقر والمرض والبطالة والحرمان بكل أشكاله من جهة، ويوفر لها فرصة العمل، والمسكن والمأكل و العلاج في نظام ديمقراطي تحكمه سيادة القانون و العدالة الاجتماعية من جهة أخرى .
هذا هو جوهر الإشكالية أو الأزمة السياسية في النظام العربي الراهن ، ببعديهما التحرري على الصعيد الوطني والقومي، والديمقراطي الاجتماعي الاقتصادي المطلبي على الصعيد الداخلي، اللذان لا يمكن تحققهما بصورة متكاملة بدون توفر النظام السياسي الوحدوي الديمقراطي العربي، المعبر عن إرادات وتطلعات ومصالح الجماهير الشعبية التي ستجسد بدورها أداة وهدف ذلك النظام .
ثانياً : المظهر الاقتصادي للأزمة :
ويتجلى في فشل السياسات الليبرالية الاقتصادية التي صاغها الصندوق والبنك الدوليين ومنظمة التجارة الدولية في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، والتي عرفت باسم برامج التثبيت والتكيف الهيكلي أو ما يسمى ببرامج التصحيح وتحرير التجارة الدولية ، ولم يكن هذا الفشل مفاجئا للعديد من خبراء الاقتصاد في العالم الثالث، بسبب أن هذه البرامج أو التوجهات الليبرالية الجديدة التي انساقت لتطبيقها غالبية دول العالم الثالث، طمست أو غيبت بشكل مرسوم ومتعمد، كل مصطلحات "التنمية" و"التحرر الاقتصادي" و"التقدم الاجتماعي" و"العدالة الاجتماعية"، التي كادت أمام هذا الزحف الكاسح لمصطلح "برامج التصحيح والتكيف" التي رأى فيها المفكر الراحل د.رمزي زكي "أول مشروع أممي تقوم به الرأسمالية العالمية في تاريخها لإعادة دمج بلدان العالم الثالث في الاقتصاد الرأسمالي العالمي من موقع ضعيف وإخضاعها لمقتضيات عودة الحيوية لتراكم رأس المال في المتروبلات (البلدان) الصناعية، عن طريق ما توفره من آليات وشروط جديدة لنهب موارد هذه البلاد" .
إن مظاهر التراجع أو الانهيار التي أصابت المكونات الاقتصادية والاجتماعية في بلادنا العربية ، لم يكن ممكناً لها أن تنتشر بهذه الصورة بدون تعمق المصالح الطبقية الأنانية للشرائح الاجتماعية البيروقراطية الكومبرادورية التي كرست مظاهر التخلف عموماً والتبعية خصوصاً في هذه البلدان بما يضمن تلك المصالح ، فالعجز في الميزان التجاري ، وتراجع الإنتاج هو أحد تعبيرات التخلف في تطوير الصناعة التحويلية، وتزايد مظاهر وأدوات التبعية التجارية ، وكذلك الأمر بالنسبة للعجز في ميزان المدفوعات ، والديون والمساعدات المالية وتحكم الاستثمارات الأجنبية في الاقتصاد الوطني كمظهر أساسي من تجليات التبعية المالية رغم الارتفاع الكمي في الناتج المحلي الإجمالي لبلدان الوطن العربي الذي وصل عام 2005 الى 1066 مليار دولار، وقد كان طبيعيا في ضوء هذه المعطيات التي تؤكد على تعميق مظاهر التخلف والتبعية واحتجاز التطور ،أن تتكرس ثقافة الاستهلاك أو التبعية الثقافية بصورة مشوهة في بلدان وطننا العربي عبر استيراد أنماط الاستهلاك الرأسمالية بأنواعها ، والتبدلات النوعية السالبة في القيم لحساب التقليد الباهت للثقافة الغربية، بحيث بات الطريق ممهداً في بلادنا العربية لانتشار وتعمق التبعية بالمعنى السيكولوجي تتويجاً لكل تراكمات الأشكال السابقة ، وهذه التبعية هي الأكثر خطورة في الحاضر والمستقبل ، لأن تكريس هذا الشكل – السيكولوجي ، في الأوساط الشعبية العربية سيجعل من كل مفاهيم التحرر والنهضة والوحدة والديمقراطية والتنمية كائنات غريبة مشوهة للشخصية الوطنية والقومية العربية ، بما يعزز حالة النزوع أو الميل نحو الاستسلام التي بدأت تنتشر في أوساط الجماهير بديلاً لمشروع الصمود والمقاومة والنهوض الديمقراطي والتقدم والعدالة الاجتماعية.
ولكن يبدو أن الصعود المتدرج بخط الهزائم العربية منذ بداية القرن العشرين الى يومنا هذا ، بل واستمرار صعوده وتجدده – دون أية آفاق واعدة في هذا القرن الحادي والعشرين ، يبرر هذه الحالة من الانكفاء أو ما أسميه " الميل نحو الاستسلام " ، والأسباب في ذلك كثيرة ومتعددة الجوانب والمنطلقات ، لكن الشريان الرئيسي المغذي لكل هذه الأسباب والنتائج السياسية والمجتمعية الهابطة، هو العامل الاقتصادي وتطوره المحتجز في المقام الأول ، إذ انه لم يكن ممكناً لخط الهزائم الصاعد والمتجدد أن يستمر بدون استمرار وتعمق التبعية بكل أشكالها واشتراطاتها وما يترتب عليها من أوضاع اجتماعية تصل إلى درجة الانحطاط .
فبالرغم من ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي العربي إلى ما يزيد عن ألف مليار دولار نهاية عام 2005، إلا أن قسماً كبيراً من هذا الناتج لم يوظف في تطوير البنية التحتية والمستشفيات والمدارس والجامعات والتقدم العلمي ومشاريع الرعاية الاجتماعية ودعم السلع الغذائية للفقراء من ناحية، وفي تطوير الصناعات التحويلية العربية وتطوير الإنتاجية الزراعية والتوسع في الأراضي الزراعية من ناحية ثانية، حيث بقيت القطاعات الاقتصادية الخدماتية والاستهلاكية ومظاهر الإنفاق الباذخة هي السائدة في البلدان العربية، وخاصة النفطية منها (أو بلدان الصحراء)، دونما أي تطوير نوعي لقطاعات الإنتاج الزراعي والصناعي، كما استمر إيداع أو توظيف أموال النفط خارج البلدان العربية، وفق شروط رأس المال المالي الأمريكي والغربي علاوة على شروطه السياسية، حيث تقدر الأموال المودعة أو الموظفة في الخارج بما يزيد عن ألف مليار دولار متراكمة منذ أكثر من ثلاثة عقود إلى يومنا هذا، في مقابل تزايد حالة التدهور الاقتصادي وتراجع عناصر النمو والتنمية، وتزايد مظاهر الإفقار والبطالة في البلدان غير النفطية التي تضم 78% من السكان، فعلى سبيل المثال نورد فيما يلي مقارنة بين فلسطين، باعتبارها الحلقة الأضعف في الاقتصاد العربي من ناحية وأولويتها في الدعم الاقتصادي بسبب ظروف الحصار والعدوان الإسرائيلي من ناحية ثانية، وبين اصغر دولة من دول الخليج العربي ونقصد بذلك "قطر" التي لا يزيد سكانها عن ثمانمائة ألف نسمة، تحقق ناتجاً إجمالياً او دخلاً سنوياً بلغ 42.4 مليار دولار عام 2005، (حسب التقرير الاقتصادي العربي 2006) بمعدل دخل حسابي للفرد يصل إلى 35345 دولار سنوياً، في حين لا يتجاوز الناتج الإجمالي السنوي لأبناء شعبنا الفلسطيني في الضفة والقطاع عن أربعة مليارات دولار بمعدل دخل حسابي للفرد ألف دولار فقط سنوياً، وفي هذا الجانب نشير الى ان الاقتصاد الفلسطيني يمكن ان يحقق نسبة نمو تزيد عن 8% سنوياً إذا توفر له استثمارات بمعدل 3 مليار دولار سنوياً!!؟ ، وهذا المبلغ لا يتجاوز نسبة 03% (ثلاثة بالألف) من إجمالي الناتج المحلي العربي، واقل من 1% من إجمالي دخل أو مساهمة النفط لعام 2005 البالغة 38.8% من الناتج المحلي العربي او ما يعادل 413.6 مليار دولار، نكتفي بدلالات هذه الأرقام التي لا تتوقف عند سقف الدعم المطلوب للشعب الفلسطيني أو للشعوب العربية غير النفطية الأخرى، بل تتخطى ذلك صوب تحفيز مقومات الاستنهاض لقوى التحرر الديمقراطي التقدمية من اجل تغيير هذا الواقع وتجاوزه كمخرج وحيد، ذلك ان الحديث عن إمكانية تقديم الدعم الاقتصادي من دول الصحراء أو النفط لا يعدو أن يكون نوعاً من الوهم في ظل هذا التحكم غير المسبوق لقوى التحالف الامبريالي الصهيوني على مجمل بلدان وطننا العربي التي باتت تحتل مراتب متقدمة في مجال التخلف والتبعية، فهي في طليعة الدول التي تنتشر فيها الأمية، وتدني التعليم بكل مستوياته، وتتراجع فيها معطيات العلم والعقل لحساب الأساطير والأوهام أو لحساب الشرائح الاجتماعية العشائرية والبيروقراطية ذات المصلحة في إعادة إنتاج التخلف وتكريس التبعية في بلادنا، بما يؤكد على ان خط او عوامل التراجع والهبوط والهزيمة، ما زالت مهيمنة على أوضاعنا العربية، والمؤشرات على ذلك كثيرة، نذكر منها:
1- إستفحال مظاهر التبعية بكل أشكالها السياسية والتجارية والمالية والثقافية والنفسية.
2- استمرار تراكم عوامل العجز في توفير مقومات الاكتفاء الذاتي الغذائي العربي.
3- انخفاض –وهشاشة- حجم التجارة البينية العربية منذ إعلان تأسيس السوق العربية بحيث لا تتجاوز نسبة 10.3% من إجمالي التجارة العربية الخارجية البالغة 873 مليار دولار (559 مليار للصادرات + 314 للواردات).
4- الارتفاع المذهل في حجم الانفاق العسكري والأمني (خاصة في الجزيرة العربية والخليج) خلال العقود الثلاثة الماضية، حيث بلغ –حسب العديد من المصادر- 2 تريليون دولار!!!؟ ،أكثر من 65% -حسب تقديرنا- تم إنفاقه على أجهزة ومعدات عسكرية من طائرات ودبابات وأسلحة متنوعة غير مسموح باستعمالها إلا في خدمة القواعد العسكرية الأجنبية من ناحية ولبعض المظاهر الاحتفالية في هذه الدويلة أو تلك من ناحية ثانية.
5- تزايد معدلات البطالة والفقر وما ينتج عنها من أزمات خانقة على جميع المستويات، فالعمالة العربية كما في عام 2005 بلغت حوالي 112 مليون عامل منهم 16.8 مليون عامل عاطل عن العمل بنسبة 15% من مجموع القوى العاملة العربية، يترافق ذلك مع تزايد مساحات الفقر وانتشاره بحيث يزيد – اليوم – مجموع الفقراء ومن هم دون خط الفقر عن 200 مليون نسمة معظمهم في البلدان العربية غير النفطية التي يتدنى معدل دخل الفرد السنوي فيها إلى أقل من ألف دولار في حين يتجاوز هذا المعدل 30 – 40 ألف دولار سنوياً في البلدان النفطية.
6- تراكم مظاهر التخلف التي لم تؤثر سلباً على القطاعات الإنتاجية – الصناعة والزراعة والمياه بشكل خاص – فحسب ، وإنما امتد تأثيرها على الجامعات ومؤسسات التطور والبحث العلمي التي لم تعمل جدياً على تأسيس منظومة قومية للعلوم والتكنولوجيا الحديثة وتكنولوجيا المعلومات بالرغم من توفر الخبرات والإمكانات اللازمة لهذه المنظومة، حيث تشير البيانات إلى ضعف وهشاشة مخصصات البحث العلمي التي لا تزيد عن نصف بالمائة او ما يعادل 5.33 مليار دولار بمعدل 242 مليون دولار فقط لكل دولة عربية على حدة، في حين أن هذه النسبة تزيد في إسرائيل عن 3% او ما يعادل 3.9 مليار دولار من الناتج الإجمالي الإسرائيلي الذي يقدر بحوالي 130 مليار دولار في نهاية 2006 .
ثالثاً : الأزمة الاجتماعية :
في مقدمة الطبعة الأولى من "رأس المال"، كتب ماركس في عام 1867 يقول: "إلى جانب الشرور الحديثة، أو الآلام في العهد الحالي، علينا أن نتحمل سلسلة طويلة من الأمراض الوراثية الناتجة عن بقاء أساليب إنتاج بالية، تخطاها الزمن، مع ما يتبعها من علاقات سياسية واجتماعية أضحت في غير محلها زمنياً، والتي تولدها تلك الأساليب، ففي مثل هذه الأحوال، ليس علينا أن نعاني فقط الآلام بسبب الأحياء، وإنما بسبب الموتى أيضاً: فالميت يكبل الحي"(3) ، هذا التحليل الذي قصد به ماركس الدولة الألمانية آنذاك، ينطبق على الوضع العربي الداخلي (دويلات الخليج والسعودية وسلطنة عمان) عموماً، وعلى جوهر الأزمة الاجتماعية فيه بشكل خاص .
والإشكالية الكبرى أن المجتمع العربي يتعرض اليوم لهذه الأحوال المأزومة بكل أبعادها، في اللحظة التي انتقل فيها العالم من مرحلة تاريخية سابقة الى المرحلة الجديدة أو العولمة، بتسارع غير مسبوق، وبمتغيرات نوعية تحمل في طياتها، في الحاضر والمستقبل تحديات غير اعتيادية، لا يمكن امتلاك القدرة على مواجهتها إلا بامتلاك أدواتها العلمية والمعرفية أولاً عبر إحكام سيطرة الحي على الميت، "فالاستلاب الأيديولوجي بشكليه السلفي والاغترابي هو أبرز الآليات الداخلية التي تعيد إنتاج التأخر، وتعيد إنتاج الاستبداد، وتحافظ على البنى والعلاقات و التشكيلات القديمة ما قبل القومية، فالعلاقة بين المستوى الأيديولوجي السياسي، والمستوى الاجتماعي الاقتصادي، هي علاقة جدلية، تحول كل منهما الى الآخر في الاتجاهين، آخذين بالحسبان أيضاً أن المستوى السياسي محدد ومحكوم بطابع الوعي الاجتماعي السائد"(4) .
بهذا المدخل، نبدأ في الحديث عن أزمة المجتمع العربي التي نرى أنها تعود في جوهرها إلى أن البلدان العربية عموماً لا تعيش زمناً حداثياً أو حضارياً، ولا تنتسب له جوهرياً، وذلك بسبب فقدانها، بحكم تبعيتها البنيوية، للبوصلة من جهة، وللأدوات الحداثية، الحضارية والمعرفية الداخلية التي يمكن أن تحدد طبيعة التطور المجتمعي العربي ومساره وعلاقته الجدلية بالحداثة والحضارة العالمية أو الإنسانية .
فبالرغم من اننا اليوم في النصف الثاني من العقد الاول للقرن الحادي و العشرين ،إلا أننا –في البلدان العربية- ما زلنا في زمان القرن الخامس عشر قبل عصر النهضة، أو في زمان "ما قبل الرأسمالية"،رغم تغلغل العلاقات الرأسمالية في بلادنا التي لم تعزز سوى المظاهر الاستهلاكية الباذخة أو ما يعرف بالحداثة الرثة كما يقول برهان غليون، والشواهد على ذلك كثيرة، فالمجتمع العربي لم يستوعب السمات الأساسية للثقافة العقلانية أو ثقافة التنوير، بمنطلقاتها العلمية وروحها النقدية التغييرية، وإبداعها و استكشافها المتواصل في مناخ من الحرية والديمقراطية، ففي غياب هذه السمات يصعب إدراك الوجود المادي والوجود الاجتماعي والدور التاريخي الموضوعي للقومية أو الذات العربية في وحدة شعوبها، ووحدة مسارها ومصيرها، إدراكاً ذاتياً جمعياً يلبي احتياجات التطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي العربي، ولعلنا نتفق أن السبب الرئيسي لهذه الإشكالية الكبرى، لا يكمن في ضعف الوعي بأهمية التنوير العقلاني، أو ضعف الإدراك الجماعي بالدور التاريخي للذات العربية، فهذه وغيرها من أشكال الوعي، هي انعكاس لواقع ملموس يحدد وجودها أو تبلورها، كما يحدد قوة أو ضعف انتشارها في أوساط الجماهير، وبالتالي فإن الواقع العربي الراهن، بكل مفرداته وأجزاءه و مكوناته الاجتماعية و أنماطه التاريخية و الحديثة والمعاصرة، هو المرجعية الأولى و الأساسية في تفسير مظاهر الضعف و التخلف السائدة بل و المتجددة في مجتمعاتنا، إذ أن دراسة هذا الواقع، الحي، بمكوناته الاجتماعية والاقتصادية تشير بوضوح إلى أن العلاقات الإنتاجية و الاجتماعية السائدة اليوم في بلداننا العربية هي نتاج لأنماط اقتصادية /اجتماعية من رواسب قبلية وعشائرية وشبه إقطاعية، وشبه رأسمالية، تداخلت عضوياً وتشابكت بصورة غير طبيعية، وأنتجت هذه الحالة الاجتماعية /الاقتصادية المعاصرة، المشوهة.
واليوم ونحن في مطلع الألفية الثالثة، تتعرض مجتمعاتنا العربية ، من جديد ، لمرحلة انتقالية لم تتحدد أهدافها النهائية بعد، رغم مظاهر الهيمنة الواسعة للشرائح والفئات الرأسمالية العليا، بكل أشكالها التقليدية والحديثة، التجارية والصناعية والزراعية، والكومبرادورية والبيروقراطية الطفيلية، التي باتت تستحوذ على النظام السياسي ، و تحول دون أي تحول ديمقراطي حقيقي في مساره، عبر اندماجها الذيلي التابع للنظام الرأسمالي المعولم الجديد من جهة، وتكريسها لمظاهر التبعية والتخلف والاستبداد الأبوي على الصعيد المجتمعي بأشكاله المتنوعة من جهة أخرى، من خلال التكيف و التفاعل بين النمط شبه الرأسمالي الذي تطور عبر عملية الانفتاح و الخصخصة وما يسمى بالإصلاح الديمقراطي خلال العقود الثلاثة الماضية، وبين النمط القبلي /العائلي، شبه الإقطاعي، الريعي، الذي ما زال سائداً برواسبه و أدواته الحاكمة أو رموزه الاجتماعية ذات الطابع التراثي التقليدي الموروث، التي باتت اليوم محكومة وخاضعة –في معظم النظام العربي- لتوجهات وسياسات وشروط المقرر الخارجي، الأمريكي/الإسرائيلي، ما يعني أن التحولات الراهنة في إطار الإصلاح أو الديمقراطية السياسية (التي لا تعدو أن تكون شكلا باهتا من الانفراج السياسي) قد ارتبطت إلى حد كبير بعامل التدخل الخارجي، الذي وصل إلى درجة الاستخدام المباشر والمتوحش للقوة العسكرية كما حدث في العراق الشقيق، والى درجة الضغوط الإكراهية كما يجري في سوريا وفلسطين ولبنان والسودان، والتلويح بتغيير أنظمة التخلف (الخاضعة والمرتهنة أصلاً) كما يجري في الجزيرة العربية (السعودية) وما يسمى ببلدان الخليج العربي، وكذلك الأمر في بلدان المغرب العربي، علاوة على ما أفرزته هذه المتغيرات "الديمقراطية" في بعض البلدان من نزعات انفصالية ومشكلات معقدة طائفية ومذهبية كامنة ستدفع إلى مزيد من التفكك والانقسام في هذه الدولة العربية أو تلك، والعراق والسودان ولبنان وفلسطين (ما جرى من صراع دموي داخلي مؤخراً) شاهد على ذلك.
ومما هو جدير بالحس بالمسؤولية، أو بالتأمل –كحد أدنى- ليس الخطر الناجم عن هذه الظواهر فحسب، بل أن تصبح هي القاعدة التي تحكم أو تحدد مسار و طبيعة العلاقات الاجتماعية والسياسية في مجتمعاتنا العربية، حينئذ تصبح "مؤسسة" الفساد هي التي تملك السيطرة على دفة القيادة في هذا البلد أو ذاك، و توجيهها وفق قواعد إدارة الأزمة بالأزمة، وهنا ينتقل الحس بالمسؤولية إلى ضرورات التغيير الديمقراطي المطلوب في مواجهة هذا الوضع المأزوم الذي تفرضه طبيعة أزمة التحرر الوطني، بحكم أنها تعبير عن أزمة هذا التطور المشوه الذي فرضته حالة التبعية البنيوية للإمبريالية، حسب تعبير المفكر الشهيد مهدي عامل –بحيث "تصبح الطبقة المسيطرة أو نظامها في تناقض بين السير في منطق الحركة التحررية الديمقراطية، وهو منطق معادٍ لها و بين السير ضده (و النتيجة واحدة)، حيث بات السير في منطق التحرر يضع هذه الطبقة (أو التحالف أو النظام) في تناقض مع مصالحها الطبقية، فيقتضي بالتالي بضرورة زوال سيطرتها الطبقية، وكذلك الأمر بالنسبة لسيرها ضد منطق الحركة التحررية حيث تفقد هذه الطبقة التي هي البورجوازية الكولونيالية كل مبرر لوجودها في موقع القيادة"(5).
ففي هذا الزمن الذي يعيش فيه العالم، زمن الحداثة والعولمة وثورة العلم والمعلومات والاتصال، يشهد مجتمعنا العربي عودة الى الماضي عبر تجديد عوامل التخلف فيه، لم يعرف مثيلاً لها في تاريخه الحديث منذ مائة عام أو يزيد، فهو الى جانب ترعرع الأنماط القديمة القبلية والحمائلية والطائفية، والتعصب الديني الشكلي أو المظهري البعيد عن الاستنارة، يوصف مجتمعنا اليوم بحق على أنه "مجتمع شديد التنوع في بنيته وانتماءاته الاجتماعية، أبوي، يعاني النزعة الاستبدادية على مختلف الصعد، مرحلي، انتقالي، تراثي، تتجاذبه الحداثة والسلفية، شخصاني في علاقاته الاجتماعية يعيش حتى الوقت الحاضر مرحلة ما قبل المرحلة الصناعية والتكنولوجية، و بالتالي مرحلة ما قبل الحداثة"(6).
هذا التعميم في وصف حياة الإنسان العربي، والقريب من الواقع الى درجة كبيرة، تكمن قيمته من وجهة نظرنا في تحفيز القوى القومية العربية لدراسة واقعها الاجتماعي ومسار تطوره الاجتماعي وخصوصياته التي اختلفت من حيث النشوء التاريخي للشرائح والفئات الرأسمالية بين هذا القطر أو ذاك ، ولكن هذا الاختلاف في ظروف النشأة لهذه الشرائح ومنابعها وجذورها، لم يعد قائما في لحظة معينة من التطور المعاصر للبلدان العربية، الذي بات متشابها الى حد كبير في كافة هذه البلدان .
إن ظهور هيمنة البورجوازية الكومبرادورية والطفيلية وتحالفها مع البيروقراطية المدنية والعسكرية الحاكمة، ورموز الأنماط القبلية وشبه الإقطاعية في بلادنا العربية، في الظروف الراهنة، يشير الى الدور الثانوي للاختلاف التاريخي في نشأة الشرائح الرأسمالية العربية العليا، التي توحدت اليوم في شكلها ومضمونها العام وأهدافها المنسجمة مع مصالحها الأنانية الضارة، عبر نظام استبدادي أو ليبرالي جديد لا فرق، تابع، ومتخلف، يسود ويتحكم في مجمل الحياة السياسية والاجتماعية، كظاهرة عامة، تتجلى فيها بوضوح، الأزمة الاجتماعية العربية الراهنة، بتأثير هذا التداخل العميق والمعقد لرموز الأنماط القديمة والحديثة، ومصالحهم المتشابكة في إطار من العلاقات الاجتماعية الفريدة التي تمتزج فيها أشكال الحداثة وأدواتها مع قيم التخلف وأدواته.
من هنا، تتبدى أهمية وضرورات العمل من أجل تحديد آليات المشروع القومي الديمقراطي، الذي ناضل من اجله بما يقتضي "ضرورة إطلاق مشروع سياسي معرفي عقلاني يشكل "حجر الأساس في بناء الدولة القومية ويشكل مع الديمقراطية مضمون القومية الحديث"(7).
إن التناقض الاجتماعي - السياسي بين قوى المحافظة والتقليد الرجعية من جهة، والقوى الديمقراطية من جهة أخرى، والذي ينعكس، على الصعيد الثقافي، تناقضاً بين القومية التقليدية ذات المضمون الديني والقومية الحديثة ذات المضون العلماني - الديمقراطي، يؤكد أن ضرورة الرؤية العقلانية والمنهجية العلمية وأهميتها وراهنيتها تتناسب طرداً مع عداء القوى التقليدية المحافظة لها، وذعرها منها.
وعلى هذا الأساس، فان عملية حسم هذا التناقض وحله سياسياً وديمقراطياً، يمثل المهمة الاستراتيجية في مسيرتنا من اجل تحقيق مشروعنا القومي الديمقراطي، إنطلاقاً من تفاقم الأزمات العميقة التي باتت تعيشها الطبقة العاملة العربية، و مجمل الطبقات الشعبية. و حالة الإفقار التي باتت تُدفع إليها، حيث عززت تفاقم الصراع الطبقي ضد الرأسمالية التابعة التي نهبت المجتمع خلال العقود الماضية، و كانت جسر النهب الذي مارسته الطغم المالية العالمية و الشركات الإحتكارية الإمبريالية. و أيضاً إستناداً إلى حالة الإحتقان العميق الذي أوجدته الغطرسة الصهيونية و الإحتلال الإمبريالي، و التي أدت إلى الشعور بالحاجة إلى استعادة دور القوى التقدمية والديمقراطية العربية في النضال السياسي والديمقراطي من اجل تجاوز هذا الواقع وتغييره، وانطلاقاً من ان الإحساس بأن المصلحة الطبقية باتت جزءاً من المصلحة القومية، و أن إنهاء نظم الرأسمالية التابعة هو جزء من مواجهة المشروع الإمبريالي الصهيوني، و أن تحسين أوضاع الطبقات الشعبية مرتبط بتحقيق التطوّر الإقتصادي ( و هنا في الصناعة و الزراعة و في البنية التحتيّة و العلميّة )، و التطوّر المجتمعي، وهذا يفترض امتلاكنا لرؤية ديمقراطية تقدمية وإنسانية واضحة ومحددة ، تقوم على أن صراعنا ضد التحالف الإمبريالي الصهيوني المعولم ، هو فى جوهره صراع عربي ـ قومي فى أساسه تحليل ظاهرة استشراء العدوانية الصهيونية التوسعية العنصرية باعتبارها حلقة مركزية للامبريالية المعولمة في بلادنا ، بما يفرض على كافة أطراف حركة التحرر القومي العربي فى صراعها التناحري مع العدو الإسرائيلي من ناحية ، وفى صراعها السياسي الديمقراطي فى داخل أقطارها من ناحية ثانية أن تنطلق من كون الصراع مع الحركة الصهيونية هو صراع ومجابهة بالضرورة للامبريالية الأمريكية والنظام الرأسمالي المعولم برمته.
وفي هذا السياق فإن رؤيتنا في تطبيق المفاهيم والمنهجية العلمية في بلادنا ، تتجاوز حالة التجزئة القطرية لأي بلد عربي –رغم إدراكنا لتجذرها- كما تتجاوزها كوحدة تحليلية قائمة بذاتها ، نحو رؤية ديمقراطية قومية ، تدرجية ، تنطلق من الضرورة التاريخية لوحدة الأمة-المجتمع العربي ، وتتعاطى مع الإطار القومي كوحدة تحليلية واحدة ، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ، مدركين ان الشرط الأساسي للوصول إلى هذه الرؤية-الهدف ، يكمن في توحد المفاهيم والأسس السياسية والفكرية للأحزاب والقوى الديمقراطية القومية داخل إطارها القطري/الوطني الخاص كخطوة أولية ، تمهد للتوحد التنظيمي العام –على الصعيد القومي.
وبالتالي فإننا نرى أن إعادة بناء الحركة يفرض إعادة صياغة الرؤية العامة التي تسمح بتبلور الأفكار والرؤية اللازمة والحوار لتأسيس حركة تحرر قومي ديمقراطي جديدة. الأمر الذي يجعل للمسألة النظرية أهمية كبيرة، و يُقرّر أنها ضرورة لا بدّ منها، و مقدّمة ضرورية لتفعيل الحركة المجتمعيّة و تطويرها، و تنظيم احتقانات الطبقات الشعبية لكي تصبح قوّة تغيير حقيقية، حيث لا يمكن للحركة المجتمعية أن تخرج من وضعيّتها الراهنة دون رؤية، و دون أهداف واضحة، و دون بديل لما هو قائم. وكذلك دون أمل بتحقيق التغيير.
من أجل ذلك نعتقد بضرورة الحوار و التفاعل و الترابط . ملاحظين أن قضايا مهمة تحتاج إلى التأمّل و البحث، من أجل أن تسهم في تعميق الرؤية الجديدة، التي يتوجب ان تعبِّر عن الواقع القائم، وتؤسس لتجاوزه بآليات سياسية وديمقراطية، بما يحقق الترابط العضوي مع أهداف ومصالح الطبقات الشعبية الفقيرة، بما يكفل تجاوز وإلغاء هذه الحالة من "احتجاز التطور" التي تعيشها مجتمعاتنا العربية، لان استمرار هذه الحالة من احتجاز التطور لا يعني سوى إستمرار هيمنة الشركات الإحتكارية الإمبريالية –كما يقول سلامة كيلة بحق- بما يحول دون امتلاكنا لقوة الإنتاج الأساسية في هذا العصر، التي هي الصناعة. حيث أن " الحرب الإستباقيّة " في مجال الإقتصاد تفرض أن تُحرم الأمم المخلّفة من وسيلة التطوّر الأساسية التي هي الصناعة، و أن تبقى أمماً ريفيّة أو مهمّشة أو تعتمد على " هبة الطبيعة " التي هي المواد الأوّلية".
كل ذلك يفرض أن ينفتح الحوار و البحث، من أجل أن تتقاطع الرؤى، و يتبلور ما يمكن أن يشكِّل أساساً لعملية التغيير المنشودة، إننا معنيّون – كما يضيف سلامة كيلة- بمواجهة الحرب الإمبريالية الأميركية، وركيزتها المتمثّلة في الدولة الصهيونية ، و كذلك مواجهة نهب الأنظمة الرأسمالية التابعة و إستبداديّتها. معبّرين عن روح الطبقات الشعبية و عن حلمها في التطوّر و الحياة الكريمة و المساواة والارتقاء بأوضاعها، وفي تأسيس الدولة العربية الديمقراطية القائمة على أساس فيدرالي، و التي تقرُّ بحقوق الأقليات القومية و بالخصوصيات المناطقيّة، و تكون قوّة عالمية في مواجهة النمط الرأسمالي، من أجل تجاوزه نحو العدالة الاجتماعية بآفاقها الاشتراكية.
أخيراً... لعل في هذه المؤشرات ما يستدعي المزيد من الوعي بالأزمة بكل أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتشخيصها، للتأكد من علاقة الترابط بين العولمة والتبعية والتخلف التي تحكم وتهيمن وتحتجز التطور العربي، وصولاً إلى صيغة البديل القومي النهضوي الديمقراطي العربي كطريق وحيد للخلاص من كل هذه القيود ، فالأزمة التي تعاني منها حركة التحرر الوطني العربية في وضعها الراهن ليست فقط – كما يقول الشهي مهدي عامل- أزمة قيادتها الطبقية البرجوازية التابعة ، بل هي أزمة البديل الديمقراطي لهذه القيادة .
وفي هذا السياق فإن الحديث عن كسر نظام الإلحاق أو التبعية الراهن سيكون ضربا من الوهم إذا لم نمتلك وضوح الرؤيا للمخاطر الجدية التي تفرضها ظاهرة العولمة على الوطن العربي في اللحظة الراهنة من القرن الحادي والعشرين، وما تسعى إليه من تفكيك أواصر الأمة باسم الفردية أو الليبرالية الرثة، التي تتفاعل اليوم مع أدوات التخلف، العشائرية والمذهبية والطائفية والأثنية، بما يعزز تراخي دور الدولة الوطنية وتفكيكها وتجزئتها وتراجع السيادة السياسية فيها، خاصة وان العولمة بمثل ما أدت إلى عولمة التحديات فإنها قد عززت ما يمكن أن يسمى بعولمة الاستسلام في بلادنا وفي العالم الثالث عموما، على الأقل في المرحلة الراهنة .
من هنا فإن الدعوة إلى مقاومة عولمة الاستسلام تتطلب إدراكنا لذاتنا وهويتنا القومية بكل المعاني والأبعاد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في إطارها العربي والإنساني ،تمهيدا لتحديد ملامح مستقبلنا بعيدا عن الإلحاق والتبعية والتزاما بالأفكار والأسس المنهجية الوحدوية التي تعزز قواعد تطبيقات مبدأ الاعتماد العربي على الذات … عندئذ فقط يمكن إيجاد الآليات السياسية والطبقية من قلب الجماهير الشعبية الفقيرة، القادرة على مواجهة العولمة والخروج منها ،مدركين إن أحد أهم شروط التحدي العربي لهذه الظاهرة هو في امتلاك الرؤية الفكرية والسياسية والاقتصادية العلمية الجدلية وبناء أطرها التنظيمية المطلوبة من ناحية وامتلاك التقنيات المعاصرة ودخول عصر المعلومات وتداولها وإنتاجها انطلاقا من مفاهيم العقل والعلم والحداثة من ناحية ثانية .
إذن ، فالمسألة الأساسية الأولى على جدول أعمال " البديل الديمقراطي ، داخل القطر الواحد أو على الصعيد القومي العام ، هي مسألة كسر نظام الإلحاق أو التبعية الراهن صوب الاستقلال الفعلي السياسي والاقتصادي ، والتنمية المستقلة الهادفة إلى خلق علاقات إنتاج جديدة تقوم على مبدأ الاعتماد على الذات ، تنمية تهدف إلى رفع معدل إنتاجية العمل ، إذ أن هذا الشرط – كما يقول المفكر العربي الراحل د.إسماعيل صبري عبد الله – هو " نقطة البداية" ، فالمقياس الأشمل والأكمل لأداء الاقتصاد القومي هو معدل ارتفاع إنتاجية العمل من سنة إلى أخرى ، على أن هذه الإنتاجية ترتبط بمفهوم الدافعية كمبدأ رئيس في عملية التنمية ، إذ أن المواطنين الأحرار الذين يعرفون أن بالإمكان تغيير الحاكم أو الرئيس من خلال الديمقراطية والحياة الحزبية ، يعرفون بأن ثمار جهودهم تعود عليهم وعلى أولادهم ، وأن أحداً لن يستطيع سلبهم حقوقهم ".
أما المسألة الثانية ، التي لا تنفصم عن الأولى ، بل ترتبط بها ارتباطاً جدلياً فهي تتلخص في إعادة تفعيل مشروع النهضة القومية الوحدوية العربية بأفقها التقدمي الديمقراطي ، كفكرة مركزية توحيدية في الواقع الشعبي العربي ، ونقلها من حالة السكون أو الجمود الراهنة إلى حالة الحركة والحياة والتجدد ، وهي مهمة لا تقبل التأجيل يتحمل تبعاتها – بشكل مباشر – وفي هذه اللحظة بالذات، المثقف الديمقراطي التقدمي الملتزم في كل أقطار الوطن العربي ، انطلاقاً من أن الدولة القطرية العربية مهما امتلكت من مقومات ، فإنها ستظل عاجزة عن تلبية احتياجات مجتمعاتها ، وأن أية عملية تطوير سياسي أو تنموي داخل القطر الواحد ستدفع بالضرورة نحو استكشاف عمق الحاجة إلى التوجه نحو تواصل ذلك التطور عبر الإطار القومي الديمقراطي الموحد كمخرج وحيد من كل أزماتنا التي نعيشها اليوم وفي المستقبل .
وفي هذا السياق فإن الحديث عن كسر نظام الإلحاق أو التبعية الراهن هو حديث عن ضرورة حتمية في المستقبل المنظور لهذه الأمة ، ولكن هذه الضرورة ستكون ضرباً من الوهم إذا لم نمتلك وضوح الرؤيا للمخاطر التي تفرضها علينا العولمة الأمريكية وحليفها الإسرائيلي في بلادنا.
من هنا فإن الدعوة إلى مقاومة عولمة الاستسلام ، تمثل أحد أبرز عناوين الصراع العربي الراهن من أجل التحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والوحدة - ، مدركين أن أحد أهم شروط هذا التحدي العربي لهذه الظاهرة هو امتلاك تقنيات العصر ومعلوماته وفق مفاهيم العقل والعلم والحداثة، إنها مهمة لا تقبل التأجيل ، يتحمل تبعاتها – بشكل مباشر وفي هذه اللحظة بالذات - المثقف الديمقراطي الملتزم في كل أقطار الوطن العربي ، إذ أنه في ظل استفحال التخلف وعدم تبلور الحامل الاجتماعي الطبقي النقيض للعولمة وتأثيرها المدمر ، لا خيار أمام المثقف العربي سوى أن يتحمل مسئوليته – في المراحل الأولى –، وهذا يستلزم – كخطوة أولى – من كافة الأحزاب والقوى والأطر القومية، أن تتخطى شروط أزمتها الذاتية ، وأن تخرج من حالة الفوضى والتشتت الفكري والسياسي والتنظيمي الذي يكاد يصل إلى درجة الغربة عن الواقع عبر التوجهات الليبرالية الهابطة أو العدمية التائهة، تمهيداً لإنضاج فكرة البديل القومي وولادته من القاعدة الشعبية.
إن الدعوة للالتزام بهذه الرؤية وآلياتها ، تستهدف في أحد أهم جوانبها ، وقف حالة الإحباط واليأس التي تستشري الآن في الطبقات الاجتماعية الكادحة والفقيرة ، ومن ثم إعادة تفعيل المشروع النهضوي التنويري الديمقراطي في الإطار القومي التقدمي الوحدوي كفكرة مركزية توحيدية في الواقع الشعبي العربي ، ونقله من حالة السكون أو الجمود الراهنة إلى حالة الحركة والحياة والتجدد ، بما يُمكِّن من تغيير وتجاوز الواقع الراهن... صوب المستقبل الواعد لجماهير وشعوب أمتنا العربية.
الهوامش
[1] مسعود ضاهر – العرب على الخط الأحمر – جريدة الخليج – 14/1/2007
[2] المصدر السابق
[3] كارل ماركس-رأس المال –الجزء الأول –ترجمة محمد عيتاني-مكتبة المعارف-بيروت –1975 –ص7.
[4] جاد الجباعي –التبعية و إشكالية التأخر التاريخي- كتاب جدل – العدد الثالث-مؤسسة عيبال-قبرص-1992 –ص145.
[5] مهدي عامل –النظرية في الممارسة السياسية-دار الفارابي-الطبعة الثالثة-بيروت-1990-ص356.
[6] د. حليم بركات –المجتمع العربي في القرن العشرين –مركز دراسات الوحدة العربية –بيروت-تموز 2000-ص19.
[7] جاد الكريم الجباعي-دراسة بعنوان العلمانية في المشروع القومي الديمقراطي